صفقة القرن: وهم أم حقيقة!!!
23-10-2023 04:21 PM GMT+03:00
بالمفهوم الواقعي، لا تعقد أي صفقة مهما كان شكلها وغايتها إلا برضي غالبية أطرافها، بين رابحين على حساب منهزمين، و/أو عادةً عند إستنفاذ جميع الأوراق وعلى طاولة تخلط كل الحسابات إرتكازاً على أرضية جرى رصها لهذه الغاية، ثم يليها دسُّ بعض أفكارها بأوقات محددة وبتتابع متقن لجسّ النبض تهيئةً لرواجها، وعلى ضوء ذلك تتسارع أو تتباطأ وفقاً لمدى تقبُّل الفكرة. وبسبيل ذلك تنشط جميع الوسائل وأهمها النفخ الإعلامي Media لنقل السر إلى العلن، و بالتدريج.
هناك إلتباس عند كثر أن ما يُعدُّ لقضية فلسطين هو الصفقة التي يتحدثون عنها، وتسميها واشنطن خطة السلام للشرق الأوسط، بينما الواقع أنها صفقة محددة ستتبعها صفقة أخرى لتتلاحق بصفقات متتالية متصلة ببعضها كعقد سلسلة مترابطة، بدأ الإعداد لها منذ ثمانينيات القرن العشرين ونشط عملها ببدايات هذا القرن، حتى بلغت أوجها الآن حيث أُعدّت لها كل المسارح واللاعبين والأطراف، ومحورها فكرة الأقليات وحق كل أقلية بالإستقلال. كيف ذلك؟؟؟
إرهاصات الفكرة أساسها شرذمة الدول في الشرق الأوسط لتحقيق أمن إسرائيل. بدات مخططاتها في جلسة سرية بالكونغرس الأميركي 1983 عندما طرح المؤرخ "برنارد لويس" خطة تفتيت دول الشرق الأوسط وخاصةً العربية منها إلى 29 دولة على أسس أقلوية، والتي تبناها الكونغرس ونشرتها مجلة CIA في عددها الصادر في آذار 2003. الجدير ذكره أن اليمين المتطرف الأميركي بدأ ينشط في عهد ريغان، وأخذ يتبوأ مراكز صنع القرار بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي 1990، حيث انفردت أمريكا بالأحادية القطبية وبدأ اليمين المتطرف ينسج أفكار الهيمنة العالمية، حتى استتب أمرهم بيد المحافظين الجُدد بدايات هذا القرن، والمتماهين بفكرهم البروتستانتي مع العقيدة اليهودية حول مستقبل العالم على أسس توراتية، وقدموا برنارد لويس كالملهم والمرشد الروحي لهم. و ورأينا كيف استغلوا ذلك بدايةً بضرب أفغانستان ثم باحتلال العراق، على مبررات 11 أيلول 2001، وكيف ننسى عندما قال رامسفيلد عن هذا الحدث أنه هدية هابطة من السماء ؟؟؟
إن من ظن أن المخطط قد خبا في عهد أوباما، فالأمر غير ذلك، لأنه هنا قد بدأ يجري الإعداد الخبيث لمسرح أحداثٍ تهيئةً للمرحلة الثانية، حيث لم تعد سايكس بيكو تتماشى مع مستجدات ورؤى قرنٍ جديد، ووجب تطويرها لتقسيم المقسم. بدأ التغرير بإيران للدخول في نسيج الشعوب العربية حتى تظهر لديهم أنها البديل عن الفشل العربي على كل المستويات. فلعبت الدور بإتقان وفُتحت لها كل السبل للتمدد وإثارة الفتن والنعرات والفوضى لتشتيت الأهداف القومية وتبديد القدرات والثروات، وساعدها في ذلك السبات العربي وانعدام القيادة والرؤية، لا بل المساهمة المباشرة بقصد وغير قصد. تزامن ذلك مع تغذية الحروب بالوكالة proxy wars, واستنزاف مقدرات الدول في شراء الأسلحة وإدامة اللااستقرار فيها، الى جانب تقوية الميليشيات والمنظمات اللاحكومية او العابرة للدول بجعلها أكثر قوة" من دولها، لتيئيس الشعوب وتنفيرها والقضاء على أحلامها، مع شحن العقائدية بحيث تطغى على الوطنية )ideologism over nationalism(.
هنا تهيأ المسرح تماماً للخطوة التالية وعرّابها ترامب. فأمن إسرائيل قد تحقق، رغم كل النتعات المماتعاتية وصواريخها الكلامية وتبجحاتها اليومية واستعراضاتها الشعبوية الفارغة. ومصادر الطاقة قد تأمنت، والمسرح الجيوسياسي جرى إعداده: العرب منهكون، وإيران استنفذت مهمتها بعد ان أدت دورها في إشغال العرب بها وببعضهم عن إسرائيل، فاضعفتهم وأضعفت نفسها وشتتت إمكاناتها وانهار اقتصادها، فأصبح عليها أن تتقلص خارج الساحة، وتستعد لتمسي المفعول به والمضاف إليه في الصفقة بعد أن كانت إحدى فواعلها، فلا ننسى أنها بتركيبتها ايضا" تضم أقليات متعددة تتحين فرصها للانفصال، كما كل بلدان الشرق الأوسط.
بعد هذا الإنهاك الشامل على كل المستويات، والإعلانات الترامبية (القدس، الجولان،…) وتجدد الليكودية في إسرائيل، والمزاوجة بين اليمين المتطرف فيها مع اليمين المتطرف الأميركي والغربي، المرتكزة على خلفيات دينية إنجيلية وبروتستانتية بالأساسيات التوراتية (سأشرح ذلك لاحقا")، والإصطفاف الروسي المؤيد والمساهم مع حلفائه،….أصبحت الأرضية صالحة ومهيأة لصفقة القرن.
هذه هي كلها الإعدادات والارهاصات لما قبل التنفيذ؛ ويبدو ان بايدن الآن الذي هو امتداد للأوباماوية، يظهر أنه في أواخر ولايته هو المشروع التنفيذي للخطة، وبذات الوقت التأسيس لولاية ثانية وحاملات طائراته الرابضة في المتوسط وحشوده العسكرية في شرق الفرات(١٢ الف جندي) هي صندوقة الاقتراع المعززة لفوزه في الانتخابات الرئاسية الاميركية الوشيكة.
المخطط التنفيذي الآن ان صفقة القرن ستبدأ في فلسطين بضم 750 كلم2 من سيناء مع غزة و12% من الضفة الغربية، مع مساعدات مليارية، ثم سيتبعها تنفيذ مخطط لويس لإطالة عمر إسرائيل رويداً رويداً (بدأت تجربته في السودان) لتخصيص وطن لكل طائفة واقلية، ففي العراق وسوريا أضحت خرائط النفوذ والانتشار والتغيرات الديموغرافية الواضحة والتكتلات الأقلوية تتحدث عن نفسها، تنتظر بعض الروتوش والتعديلات الخرائطية. وسيأتي الدور بعدها على شمال أفريقيا ثم الخليج.
كان بالماضي القريب يتربع رؤساء وزعماء وحكام عرب لا قياديين، غير رؤيويين، تفصل بينهم وبين شعوبهم هوة سحيقة… أما الآن فهناك وعي عربي مدرك ترأسه قامة عربية واعدة واعية لكل هذه الاخطار هي الأمير محمد بن سلمان يتوازى معه أولي أمر مدركون ومعه متفقون متواكبون من باقي الأقطار العربية وبالأخص الخليجية. وموقف السيسي الوقائي المهم بالوقوف سدا" أمام ما يحاك لسيناء، يسجل له… فهل سيسمحون بمرور هذه الصفقة؟
بتنا أمام مفصل تاريخي حاسم ينقلنا إلى صفقة القرن. فهل تتم بخديعة الأقربين قبل الأبعدين؟
...هل لن يعترض أحد، والأمة العربية الواحدة ستتفكك حروفها وتنكسر بعد رفع وستصرف بعد منعٍ من الصرف، وتعود لا محل لها من الإعراب؟
إيران ستعود لفارسيتها المنغلقة، وستبلّ شعاراتها وتشرب عصارات الشيطان الأزرق، ولازمة الموت لأمريكا وإسرائيل ستحييهما، ولن تطلق صواريخها إلا على العرب انتقاما" لأمجاد فارس الإمبراطورية التي قضى عليها العرب منذ 1400 عام، وستجف فروعها وتقطع اذرعها وتتقزم حواشيها وستتضور إيران وتنعزل لتلقى شر ما عملت.
هذه رؤيتي منذ أربع سنوات، عززتها الأحداث المتلاحقة والتشكلات والانعطافات السياسية الدولية والإقليمية الحالية، مع الغياب الكلي للمجتمع الدولي والضمير العالمي. تتجدد اليوم وتباشير إعلانها كصفقة قرن تتلطى وراء الباب… والله أعلم








