في هذه الذكرى العشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، نستذكر معًا مسيرة رجلٍ كرس حياته لبناء لبنان، وعمل دون كلل من أجل سيادته وكرامة شعبه. كانت رؤيته للبنان قوية وواضحة، تتخطى التحديات الكبرى، ولعل أهم ما تميز به هو التزامه الراسخ بمشروع الدولة، القائم على العدل والمساواة. واليوم، بعد عشرين عامًا من استشهاده، لا يزال حلمه قائمًا، ولا يزال الطريق الذي رسمه لنا واضحًا. في هذا اليوم، نحتفل بذكراه، ونجدّد العهد بالمضي قدمًا في تحقيق لبنان الذي حلم به، لبنان الذي يكون فيه الجميع سواسية، ويعمه السلام والاستقرار.


قبل عشرين عامًا، اجتمعنا في هذه الساحة لنودّع رجلًا استثنائيًا كرّس حياته للبنان، فحمل مشروع الإعمار، وحافظ على كرامة جميع اللبنانيين. لقد دفع حياته ثمنًا دفاعًا عن لبنان، وعن سيادته واستقلاله وحرية شعبه، تاركًا بصماته التي لا تزال محفورة في كل زاوية. إذ لا يمكن الحديث عن أي محطة سياسية أو وطنية دون استذكار إنجازاته، التي تتجلى في كل لحظة، سواء في الأفراح أو في الأزمات، التي باتت للأسف كثيرة ومتلاحقة.

ولأن الوفاء هو أساس مسيرتنا، فقد خرجتم في ذلك اليوم إلى هذه الساحة، وقلتم للرئيس الشهيد: "رح نشتقلك". واليوم، وبعد عقدين من الزمن، نعود إلى المكان ذاته لنقول له من القلب: "اشتقنالك!". لكن، في الوقت نفسه، لا نكتفي بالاشتياق، بل نؤكد التزامنا بنهجه الوطني، ومواصلتنا للمسيرة التي بدأها.

وفي هذا السياق، لا يمكننا نسيان أن مطلبنا الأول كان العدالة، وبفضل إرادتكم الحرة، أسقطتم نظام بشار الأسد من لبنان. واليوم، وبعد عقود من الظلم والقمع والاعتقال والتعذيب، نرى كيف انتفض الشعب السوري وأسقط الطاغية من بلاده. وهنا، قد تكون هذه بداية العدالة، وقد تكون نهايتها، إلا أننا على يقين بأن عدالة الأرض قد تتأخر، أما عدالة الله، فلا مهرب منها.

ومنذ ذلك الحين، توالت الأزمات على لبنان، وكان آخرها وأشدها وحشية، حرب إسرائيلية مجرمة استهدفت وطننا، فقتلت أبناءه، ودمّرت منازله ومؤسساته ومزروعاته، كما أصابت نسيجه الاجتماعي في الصميم. ومع ذلك، ورغم قسوة الظروف، أثبتم أن لبنان واحد، وأن اللبنانيين جسد واحد، عندما فتحتم بيوتكم للمنكوبين، واستقبلتم النازحين، وأكدتم بالتضامن الفعلي، وليس بالكلام فقط، أنكم شعب صامد في وجه المحن.

وانطلاقًا من ذلك، كما واجهنا العدوان معًا، علينا اليوم أن نعيد بناء ما تهدّم، وأن نعمل جاهدين على إعادة إعمار المناطق المنكوبة، وترميم النسيج اللبناني الذي أصيب بجروح عميقة. فهذه مسؤولية وطنية تقع على عاتق الجميع، تمامًا كما أن مسؤولية الجميع إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية، والعمل على تحقيق التنمية في كل المناطق، من عكار إلى الجنوب، ومن بيروت إلى الجبل والبقاع، وصولًا إلى آخر جرود عرسال.

وفي هذا الإطار، لا بد من التذكير بأن مشروع رفيق الحريري كان مشروع بناء الدولة، دولة القانون والمؤسسات، التي تستند إلى اتفاق الطائف، وتحمي سيادتها، وتحقق الاستقرار لشعبها. إذ لم يكن مطلبنا يومًا سوى قيام دولة طبيعية، يكون فيها السلاح حصرًا بيد الجيش الوطني والقوى الأمنية الشرعية، ويستند اقتصادها إلى الإنتاج والحرية، بما يضمن فرص العمل والحياة الكريمة لكل اللبنانيين.

وبالتوازي مع ذلك، فإننا نريد دولة يُحكمها قضاء مستقل، يطبّق القوانين بعدالة، ويحمي الحريات العامة والخاصة، وينصف جميع مواطنيه، لا سيما الشهداء والجرحى والمنكوبين في انفجار المرفأ، وضحية تلك الجريمة الكبرى، عاصمتنا الحبيبة بيروت، حبيبة رفيق الحريري.

وانطلاقًا من كل ما سبق، نؤكد أن هذا هو "تيار المستقبل", وهذا هو جمهور رفيق الحريري، الذي سيبقى ثابتًا في موقعه، متمسكًا بمبادئه، حاضرًا في كل الاستحقاقات الوطنية والمحطات القادمة. وكيف؟ كما قلت لكم من قبل: "كل شيء بوقته حلو".

واليوم، هو الوقت المناسب لكي نفهم التحولات الكبرى التي يشهدها لبنان والمنطقة، ونؤكد تضامننا الكامل مع الشعب الفلسطيني الصامد، وقضيته العادلة، وحقوقه المشروعة، وتمسكنا بحل الدولتين. إذ إن مشكلتنا مع نتنياهو ليست إلا هروبه المستمر من المسؤولية، ومن السلام إلى الحرب، فمشكلة الاحتلال لا تُحلّ بالقتل والتشريد، ولا يمكن معالجتها على حساب مصر، أو الأردن، أو المملكة العربية السعودية.

وأخيرًا، في يوم الوفاء هذا، الذي يحمل الذكرى العشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه الأبرار، أجدّد الوعد لكم، كما أنتم جددتموه لي طوال هذه السنوات. فكما كنتم إلى جانبي طوال عشرين عامًا، لم تتخلوا عني ولم تتركوني، أنا كذلك سأظل إلى جانبكم، ومعكم، ولن أتخلى عنكم أبدًا.

سأبقى معكم، وسنكمل الطريق معًا، حاملين وصية رفيق الحريري، متمسكين بمسيرة الاعتدال، بالعيش المشترك، وبـ"لبنان أولًا... ثم أولًا... ثم أولًا!"


المصدر : Transparency News