بودوان عبدالنور


قد يختلف البعض مع أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المباشر والفجّ والشعبوي، إذ يسمي الأمور بأسمائها بعيدًا عن الدبلوماسية. لكن هذه ليست مسابقة لـ"ميس كونجينياليتي"، بل حربٌ أودت بحياة مليون إنسان خلال ثلاث سنوات. ومع ذلك، فإن مضمون حديثه بشأن الحرب الأوكرانية-الروسية دقيقٌ مئة في المئة، سواء في تشخيص أبعادها الاستراتيجية أو تقدير كلفتها الاقتصادية والبشرية، كما أن الحل الذي يسعى إلى فرضه منطقي، بغض النظر عن اعتراضات بعض الليبراليين المحليين، الذين يرددون خطاب شبكة CNN بلا تمحيص.

أولًا، نعم، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مجرد خدعة كبرى صنعتها الآلة الإعلامية الغربية. فهو رجلٌ فاسدٌ احتكر السلطة ونهب الاقتصاد الأوكراني بالتحالف مع الأوليغارشية، وحتى خلال الحرب استمر في الاستفادة من جزءٍ كبير من المساعدات الغربية التي تدفقت بالمليارات، بينما كان شعبه يُهجر ويُقتل وتُدمّر بلاده. قبل اندلاع الحرب، كانت أوكرانيا تُصنَّف كواحدة من أكثر الدول فسادًا، حتى أنها كانت في مرتبة أسوأ من روسيا في هذا المجال، وكان حكم زيلينسكي فاشلًا إلى حد أن شعبيته لم تتجاوز 17% عشية الغزو الروسي. لكن الغرب أعاد إنتاج صورته من خلال حملة بروباغندا إعلامية مكثفة، متلاعبًا بالرأي العام العالمي. لذا، ينبغي التوقف عن اعتبار الصحف الأمريكية الكبرى مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست نصوصًا مقدسة.

ثانيًا، صحيحٌ أن الحرب الأوكرانية هي نتيجة جشع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وغروره وتضخّم ذاته، لكن هذه نصف الحقيقة فقط. النصف الآخر يتمثل في أن الولايات المتحدة، منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، عملت على تطويق روسيا عبر توسيع نفوذ حلف الناتو في أوروبا الشرقية، والتي تُعتبر الحديقة الخلفية لموسكو. وكان آخر فصول هذا التمدد التلميح إلى إمكانية انضمام أوكرانيا إلى الحلف، وهو ما كان بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير". قبل اندلاع الحرب، عرض بوتين على الغرب التوصل إلى تسوية تقضي ببقاء أوكرانيا تحت النفوذ الغربي شرط عدم تمدد الناتو عسكريًا إليها، لكن واشنطن رفضت ذلك، بل أرسلت مساعدات عسكرية ومستشارين إلى كييف قبل بدء الاجتياح الروسي عام 2022. لم يكن بوتين ساذجًا لدرجة تصديق أن الغرب سيقف مكتوف الأيدي أمام غزوه لأوكرانيا، لكنه وقع في الفخ عندما أوحت الولايات المتحدة بعدم وجود اتفاقية دفاع مشترك مع كييف، مما جعله يظن أنه سيتمكن من اجتياح أوكرانيا دون تداعيات خطيرة، كما حدث عند ضمّ شبه جزيرة القرم. غير أن تصريحات واشنطن تغيّرت جذريًا بعد بدء الاجتياح، وكان التحول المفاجئ في موقفها عقب تلك "المسرحية" التي تمثّلت في سؤال وُجّه إلى زيلينسكي: "هل تريد طائرة لنقلك إلى الخارج؟" فأجاب: "لست بحاجة إلى سيارة أجرة، بل إلى صواريخ". هذا المشهد الذي بالكاد يمكن لعقل أن يصدّقه كان كافيًا لجرّ العالم إلى صراع استنزف الخزينة الأمريكية بأكثر من 350 مليار دولار حتى الآن، ووضع البشرية على مشارف حرب عالمية ثالثة.

كما أن الجيش الأوكراني لم يكن ليُظهر هذه الجاهزية القتالية لولا أن الدعم الأمريكي والتدريبات العسكرية استمرت لسنوات قبل الغزو الروسي. فلو أن المساعدات العسكرية الغربية بدأت فقط بعد الاجتياح، لما تمكنت أوكرانيا من الصمود في وجه روسيا، وكان بإمكان الأخيرة احتلال معظم البلاد خلال أشهر قليلة. هذه حربٌ كانت مخططة لها مسبقًا، ولم يكن ينقص إلا أن يقع بوتين في الفخ، تمامًا كما حدث مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عندما أوحت له السفيرة الأمريكية أبريل غلاسبي أن واشنطن لن تتدخل في نزاعه مع الكويت، ما شجّعه على الغزو، قبل أن يكتشف أنه وقع في المصيدة. الفارق الوحيد هو أن الديكتاتورَين النرجسيَّين كانا مختلفين.

ثالثًا، لو افترضنا أن انتخابات ديمقراطية جرت في المكسيك أو كندا، وأفرزت حكومة يسارية قررت إقامة تحالف عسكري مع روسيا أو الصين، فكيف سيكون ردّ الولايات المتحدة؟ هل ستقف موقف المتفرج وتحترم نتائج الانتخابات، أم ستعمل على تمويل انقلاب عسكري وربما التدخل عسكريًا لإسقاط الحكومة؟ لماذا إذًا يُقاس الأمر بمكيالَين؟ لنترك الفرضيات جانبًا، ولننظر إلى الوقائع: جزر سليمان، التي لا يتجاوز عدد سكانها سكان مدينة طرابلس اللبنانية، والتي تبعد أكثر من ألفي كيلومتر عن أستراليا، قررت قبل عام توقيع اتفاقية مع الصين لإنشاء ميناء تجاري. غير أن أستراليا، بدعم أمريكي، اعتبرت هذه الخطوة تهديدًا لأمنها القومي، وزعمت أن الصين قد تستغل الميناء لأغراض عسكرية، وهددت بغزو الجزر إن لم تتراجع حكومتها عن الاتفاق. هذا ليس حدثًا وقع قبل خمسين عامًا، بل هو سياسة غربية تُطبَّق حتى يومنا هذا.

رابعًا، نحن اليوم في منتصف الحرب، فما العمل؟ لقد تجاوز عدد القتلى المليون، بمعدل 800 قتيل يوميًا على مدى أكثر من ثلاث سنوات، ولا يوجد أي أفق لنهايتها، فلا روسيا قادرة على حسم المعركة عسكريًا، ولا أوكرانيا قادرة على استعادة أراضيها. هل سننتظر حتى يصل عدد القتلى إلى خمسة ملايين؟ وربما تتوسع الحرب وتجرّ العالم إلى مواجهة نووية؟ من لديه الحد الأدنى من المعرفة التاريخية يدرك أن روسيا لن تقبل الهزيمة والذل، وأنها قد تلجأ إلى الخيار النووي إذا رأت أن نظام بوتين، أو حتى وحدة الاتحاد الروسي، أصبحا في خطر. أما من يعتقد أن أوكرانيا يمكنها استعادة المناطق ذات الأغلبية الروسية، التي دعمت الانضمام إلى موسكو، فهو واهم.

خامسًا، المستفيد الأكبر من هذه الحرب هي الصين، التي تستغل ضعف روسيا لتبتزّها اقتصاديًا، حتى باتت موسكو أشبه بدولة تدور في الفلك الصيني. كما أن الصين تستفيد من استنزاف الغرب ماليًا وعسكريًا، بينما تعمل بهدوء على تعزيز قوتها. روسيا اضطرت للتنازل عن بعض أراضيها في سيبيريا للصين، ومنحتها أيضًا ممرًا إلى بحيرة بايكال، أكبر مصدر للمياه العذبة في العالم. وعلى الحدود الشرقية لسيبيريا، هناك 150 مليون صيني مقابل 7 ملايين روسي فقط، في حين يقدَّر عدد المهاجرين الصينيين غير الشرعيين في سيبيريا بأنه يفوق عدد السكان الروس. الصين هي العدو الاستراتيجي الأول لروسيا، وهي تطمع بسيبيريا منذ عقود. الغرب كان يجب أن يراهن على روسيا لمواجهة الصين، كما فعل سابقًا عندما تحالف مع بكين ضد الاتحاد السوفياتي، لكنه بدلاً من ذلك دخل في مواجهة مع موسكو، فأضعف القوتين معًا، في حين أن الصين تبني قوتها العسكرية والاقتصادية بصمت.

ترامب يدرك هذه الحقيقة، ويحاول إعادة توجيه البوصلة نحو الخطر الحقيقي. روسيا ضعيفة، وقد أضعفتها الحرب الأوكرانية أكثر، فلماذا الإصرار على استمرار هذا الصراع العبثي؟ ويجب أن نتوقف عن تشبيه بوتين بهتلر، فروسيا بالكاد استطاعت السيطرة على 15% من أوكرانيا خلال ثلاث سنوات، فكيف يُعقل أن تُعتبر تهديدًا لأوروبا؟

أما الليبراليون المحليون، الذين وقعوا ضحية غسل الدماغ الإعلامي الغربي، فهم يبدون أشبه بجمهور CNN الذي يتبنى الدعاية الغربية دون تفكير. هؤلاء يجيدون انتقاد "الممانعة"، لكنهم يفقدون أي قدرة تحليلية عندما يتعلق الأمر بالغرب، فيرددون دعاية الإعلام الغربي كالببغاوات.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News