العراق في مفترق الطرق: هل تقترب نهاية النفوذ الإيراني؟
14-03-2025 09:59 AM GMT+02:00
منذ عام 1979، بنى النظام الإيراني نفوذه الإقليمي عبر شبكة من الوكلاء والحلفاء في الشرق الأوسط، فأسس ما بات يُعرف بـ"محور المقاومة" في العراق ولبنان وسوريا واليمن. لكن اليوم، تبدو هذه الاستراتيجية في مواجهة اختبار صعب، حيث تشهد ساحات نفوذ طهران تحولات دراماتيكية قد تعيد رسم خريطة القوة في المنطقة.
قبل عقد من الزمن، تباهى وزير الاستخبارت الإيراني حيدر مصلحي في حكومة محمود نجاد بأن طهران تسيطر فعليًا على أربع عواصم عربية: بغداد، بيروت، دمشق، وصنعاء. لكن المشهد اليوم مختلف تمامًا، حيث فقدت إيران موقعها المتقدم في عاصمتين على الأقل. حزب الله، الذراع الإيرانية الأقوى في لبنان، يواجه ضغوطًا غير مسبوقة، فيما تعيش دمشق تحولات تهدد التحالف التقليدي مع طهران. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: من التالي؟
على عكس الحوثيين في اليمن، لا تبدو الفصائل العراقية الموالية لإيران مستعدة لمواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة. خلال عام 2024، شنت هذه الفصائل هجمات عدة على أهداف أمريكية، لكن منذ ديسمبر الماضي، ساد هدوء ملحوظ، وكأن قرارًا استراتيجيًا اتُخذ بعدم التصعيد.
في الوقت ذاته، بدأت بغداد بإرسال إشارات غير مألوفة نحو واشنطن. حكومة محمد شياع السوداني، التي كانت تُعدّ من أقرب الحكومات العراقية لطهران، قدّمت ثلاث تنازلات كبرى للولايات المتحدة مطلع 2025:
أولا: إسقاط مذكرة توقيف دونالد ترامب في قضية اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس.
ثانيا: الموافقة على إطلاق سراح الباحثة الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف، التي كانت محتجزة لدى كتائب حزب الله العراقي.
ثالثا: تمرير تعديل مالي لصالح الأكراد، الحلفاء التقليديين لواشنطن الذي نجحوا بلَيْ ذراع إيران عبر الحفاظ على حقوقهم دون تقديم تنازلات للحكومة العراقية الموالية لطهران.
هذه الخطوات تعكس تحولات أعمق داخل مراكز صنع القرار العراقي، وتطرح تساؤلات حول مدى قدرة طهران على الحفاظ على قبضتها في بغداد.
العراق ليس مجرد ساحة نفوذ سياسي لإيران، بل يُعتبر شريانًا اقتصاديًا أساسيًا لها. فبفضل موقعه كمُنتج رئيسي للنفط وغير خاضع للعقوبات، وفر العراق لطهران منفذًا لتجاوز القيود الدولية وتمويل أذرعها الإقليمية، من الحرس الثوري إلى حزب الله والحوثيين.
لكن مع تزايد الأزمة الاقتصادية في إيران، حيث يواصل الريال انهياره وسط تصاعد الغضب الشعبي، أصبحت الحاجة إلى العراق أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. وإذا فقدت طهران نفوذها في بغداد، فإن التداعيات لن تقتصر على خسارة مليارات الدولارات، بل قد تمتد إلى الداخل الإيراني، حيث يمكن أن تشتعل الاحتجاجات مجددًا.
بعيدًا عن الاقتصاد، يحمل العراق أهمية استراتيجية هائلة لطهران. فلطالما كان جزءًا من عمقها الجيوسياسي، وخسارته قد تعني ضربة قاصمة لطموحاتها الإقليمية. لكن في المقابل، قد يكون العراق أمام فرصة تاريخية لاستعادة استقلاله السياسي، بعيدًا عن الهيمنة الخارجية، سواء كانت إيرانية أو أمريكية.
هل سيتمكن القادة العراقيون من استغلال هذه اللحظة لإعادة التوازن إلى بلادهم هل ستصعّد الميليشيات الموالية لإيران المواجهة لتثبيت نفوذها؟ هل تتكرر تجربة دمشق وبيروت في بغداد؟
الأيام المقبلة تحمل الإجابة، لكن ما هو واضح حتى الآن أن مرحلة الهيمنة الإيرانية المطلقة على المنطقة قد بدأت بالانحسار.
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )
المصدر : Transparency News








