أرض لا أمان فيها
17-03-2025 12:36 PM GMT+02:00
هذه منطقة الشرق الأوسط، مهد الحضارات، لكنها أيضًا منطقة مخضبة بالدماء، شهدت عبر تاريخها الطويل القتل والتهجير العرقي والقبلي والديني والمذهبي. إنها منطقة تغيّرت خرائطها وحدودها وبلدانها مرارًا وتكرارًا عبر الأزمان. بالأمس، كانت سوريا تمتد من وسط العراق إلى وسط الأردن، وتشمل جزءًا من تركيا وكل لبنان وفلسطين، أما اليوم، فنراها تتفتّت أمام أعيننا. كذلك، نشهد كيف تتمدّد سطوة الطوائف وفقًا للظروف، ثم تنكمش مجددًا بحسب المتغيرات الإقليمية والدولية.
في نهاية المطاف، حلّت الطوائف محل القبائل المتناحرة وورثت عنها صراعاتها. وحتى لو نزل الله بنفسه، مصحوبًا بجمع من الأنبياء والصالحين، ليصلح بينهم، لقتلوه وذبحوا أنبياءه من الوريد إلى الوريد. هذه الأرض لا أمان فيها لأحد، ولا يمكن لأي قوة، مهما بلغت من الجبروت أو النفوذ أو التحالفات أو الثروة، أن تفرض سيطرتها المطلقة عليها.
وفي خضم هذا الصراع الطائفي، يبرز بين الحين والآخر زعيم طائفي يحاول فرض رؤيته على الآخرين، ساعيًا إلى تنظيم شؤونهم، وتحديد من يجب أن يتحالفوا معه ومن يجب أن يعادوه. لكنه سرعان ما يُقصى أو يُهزم، ليحلّ مكانه زعيم جديد يعيد الكرّة كما فعل أسلافه وأجداده من قبله.
في منطقة كهذه، وسط هذا اللهيب المستعر وهذه الرمال المتحركة والمستنقعات المتشابكة، ليس أمامك سوى خيارين: إما أن تكون جزءًا من هذه المنظومة، أو أن ترحل إلى منطقة أخرى من العالم، حيث تعيش بسلام، تدخن سيجارك المفضل أو تستمتع بتبغك الممزوج بعناية، وترتشف كأسًا أو، مثلي، تكتفي بفنجان من الشاي الأسود "أكرك عجم"، وتتسلّى بمتابعة ردود فعل الناس على كتاباتك. وبعد ذلك، تخلد إلى النوم على فراش ثمنه ألفا دولار، ووسادة قيمتها مئتان وخمسون دولارًا، تحت لحاف سميك، يضمن لك نومًا عميقًا لا مجال فيه حتى لأن تحلم بأنك ستعود يومًا إلى هذه الأرض المنكوبة، التي تعجّ بالحيوانات المفترسة، والأفاعي، والعناكب، والحشرات السامة.
المصدر : Transparency News








