وسيم جانبين


في 12 مارس 2025، حسم المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، الجدل حول التفاوض مع الولايات المتحدة، قاطعاً الطريق أمام أي مساعٍ داخلية ترى في الحوار مخرجاً من الأزمة الاقتصادية الخانقة. موقفه جاء صارماً: لا تفاوض، لأن أي حوار لن يؤدي إلى رفع العقوبات بل سيزيد الضغوط على النظام، ما يعني أن التراجع عن المشروع النووي أو تقديم تنازلات ليس خياراً مطروحاً.

إعلان خامنئي فجَّر خلافات مستترة داخل النظام. فبينما يرى المتشددون، وعلى رأسهم أئمة الجمعة الموالون للمرشد كأحمد علم الهدى والملا نوري، أن الدعوة إلى التفاوض ليست سوى مؤامرة تهدف إلى تفكيك النظام، يطرح المعتدلون موقفاً مختلفاً، وإن كان أقرب إلى التوسل منه إلى التأثير الفعلي. حسن روحاني، الرئيس السابق، خرج عن صمته ليحذر من "الظروف الخطيرة" التي يواجهها النظام، محاولاً إحياء فكرة التفاوض. لكن تصريحاته لم تكن سوى صرخة في وادٍ، إذ تلقى هجوماً حاداً من أتباع خامنئي الذين اعتبروه وأمثاله "عناصر مخترقة" تحاول جر البلاد إلى استسلام مذل.

لكن خلف هذه الصراعات السياسية، يغلي الشارع الإيراني. الاقتصاد المتهالك، التضخم الذي خرج عن السيطرة، وأزمات المياه والوقود والكهرباء، جميعها تدفع المجتمع إلى حافة الانفجار. التظاهرات المتفرقة التي تندلع بين الحين والآخر تكشف أن صبر الشارع الإيراني بدأ ينفد، رغم القبضة الأمنية التي لم تعد كافية لكبح الاستياء الشعبي المتزايد.

روحاني، في محاولة يائسة لتقديم نفسه كبديل واقعي، أشار إلى أن "الوضع يزداد سوءاً وصعوبة"، وكأن النظام بحاجة لمن يذكره بأنه يعيش تحت تهديد الانهيار. لكن في حين يرى هو وأمثاله أن المخرج الوحيد هو التفاوض، يخشى خامنئي من أن أي خطوة نحو الحوار ستؤدي إلى فقدان السيطرة، ما يضعه أمام معادلة مستحيلة: بين الانغلاق التام والانهيار الحتمي.

النتيجة أن النظام يقف اليوم على فوهة بركان. الصراع بين جناحيه لا يدور حول مصلحة الشعب، بل حول كيفية الحفاظ على السلطة. خامنئي يرى أن الصمود هو الحل، ولو على حساب الشعب، فيما يحاول روحاني أن يعيد طرح الحلول الدبلوماسية، لكنه مرفوض من الداخل ومحدود التأثير في الخارج.

في النهاية، يبقى المتغير الوحيد القادر على قلب المعادلة هو الشارع الإيراني. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية لم تعد مجرد تحديات، بل تحولت إلى تهديد وجودي للنظام. والسؤال الكبير الآن: هل يستطيع الشعب تحويل هذا الاحتقان إلى قوة تغيير، أم أن النظام سيجد طريقة أخرى لتأجيل لحظة السقوط؟

 (هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News