الدكتور علي شعيب


سأبدأ هذا المقال بالتساؤل عن جدوى لجوء حزب الله، في هذا التوقيت الخطير بالذات، إلى إطلاق صواريخ بدائية وغير فعّالة من الجنوب نحو المستعمرات الإسرائيلية؛ تلك الخردة البالية مقارنةً بما لا زال يملكه من ترسانة ضخمة من الصواريخ المتطورة والطائرات المسيّرة الكاميكازية؟ 

كالعادة، تتوزع الأصوات اللبنانية على طرفي نقيض كلما تعلق الأمر بحزب الله ومغامراته القاتلة. فمنهم من يُلقي باللوم الكامل على إسرائيل أو على "الطابور الخامس"، مُرددين نفس الأعذار البالية التي نسمعها من "جماعة المحور" كلما خالف الواقع سرديتهم الأزلية عن الإنتصارات الإلهية والصمود الإسطوري. وفي الضفة المقابلة نرى من يصرخ بأعلى الصوت راميا التهمة بأكملها على حزب الله "المخادع." 

كلٌ يغني على ليلاه دون التساؤل عن فحوى الرسالة الحقيقية التي يوجهها من يطلق تلك الصواريخ، وفي أي اتجاهات سياسية.

وحتى ننجح في كشف لغز من يُطلق تلك الصواريخ من منطقة أقضية النبطية ذات الكثافة السكانية العالية - والقرى التي تعج بالأطفال وكبار السن، خاصة من الفئة التي أفقرها الثنائي الشيعي خلال ممارسته الطويلة للحكم وتحكمه بمصائرها حربا وسلما – علينا أن نسأل  عن السبب الحقيقي في إرسال تلك الصورايخ البالية نحو الأراضي الإسرائيلية، وفي ها التوقيت بالذات. 

لماذا الآن؟ ولماذا كل هذا التراجع المُتعمد إلى تكتيكات "صوارخية" تُذكرنا بثمانينيات القرن الماضي؟

في مقابلة لي مع الإعلامي، الأستاذ أسعد بشارة، عبر منصة "ترانسبارنسي نيوز"، أشرت في معرض حديثي عن وضع حزب الله الحالي بأنه يبدو مُصرًا على إحياء النهج "المقاوماتي" الذي اعتمده في حقبة ما بعد اجتياح ١٩٨٢، عندما ظهر كجماعة مسلحة بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. 

ففي ذلك الوقت اتخذت "مقاومته" شكل هجمات إرهابية - تفجيرات عام ١٩٨٣ لثكنة مشاة البحرية الأمريكية على أطراف مطار بيروت الدولي، وقاعدة المظليين الفرنسيين في منطقة الجناح، وسفارتي أميركا والعراق في بيروت، تلتها في الأعوام اللاحقة عمليات اختطاف طائرات، واحتجاز رهائن، وزعزعة استقرار دول الخليج من خلال خلايا مسلحة "مستيقظة" و"نائمة." 

القيادة الجديدة المجنونة

في الأمس، أعلن غالب أبو زينب، القيادي في حزب الله، في مقابلة صريحة مع الصحفية نانسي السبع على منصة "تفاصيل"، أن الجماعة تخطط للعودة إلى جذورها التي كانت عليها عام ١٩٨٢. وتباهى أبو زينب باعتماد القيادة الجديدة لحزب الله نظم الإتصالات القديمة، وحصر عملية صنع وأخذ القرار في دائرة ضيقة - وهو تراجع متعمد للتهرب من الهيمنة التكنولوجية الإسرائيلية. وزعم أن حزب الله "مستعد لمواجهة إسرائيل بتكتيكات جديدة"، وهي كلمة السر لإعادة الفوضى وفرض هيمنة السلاح على اللبنانيين من جديد. 

وقد أخذتني الذاكرة بعيدا، عندما قال القيادي أبو زينب ما قاله، إلى تلك الفترة الصعبة جدا لجيلنا الذي كان حينها مزهوا بقوة وصلابة قوى اليسار المدعومة من منظمة التحرير الفلسطينية و"مقاومتها" المنتشرة على مساحة الجنوب والبقاع وبيروت.

فخطاب أبو زينب يشيد، ضمنيا، بالتكتيكات المتهورة للمقاتلين الفلسطينيين الذين كانوا يدخلون القرى اللبنانية الجنوبية في الليالي الحالكة ليطلقوا صواريخ "الغراد" و"الكاتيوشا" بشكل عشوائي على المستوطنات الإسرائيلية، ومن ثم يفرون إلى مخابئهم في الكهوف الصخرية والأنفاق المظلمة، لنذوق، نحن الإطفال، انتقامًا مدمرًا من قوات سعد حداد حين يطلق على قرانا وتلالنا وودياننا عنان مدافع الهاوتزر الإسرائيلية عيار 155 ملم - وهي أسلحة روّعت القرى الجنوبية وأثّرت بشكل كبيرعلى حياة المدنيين لسنوات طويلة. 

ولم يمض وقت طويل على الإجتياح الإسرائيلي للبنان حتى وصلنا إلى حقيقة أنا كنا نعيش كذبة كبيرة مفادها أن المقاومة الفلسطينية وشريكتها اللبنانية كانت غاية في التنظيم والتدريب والتحديث، وبأن إسرائيل لم تكن لتجرؤ على القيام بهجوم بري كبير واحتلال مناطق واسعة من لبنان. 

لكن، بعد بضعة شهور على الإجتياح الإسرائيلي، وحصار بيروت، وضعت قيادات المقاومة الفلسطينية ذيلها بين أرجلها وغادرت لبنان نهائيا عبر البحر إلى تونس، بمراقبة لصيقة من البوارج الإسرائيلية، التي رافقت البواخر التي استقلها ياسرعرفات وقياداته وعناصره الذين كان يعدوا بالآلاف حتى تأكدوا من وصولهم إلى تونس ونزولهم في موانئها. وصار بعدها ما صار من تغيرات ضخمة في مسار القضية الفلسطينية، وانحلالها بالشكل الذي نراه اليوم، ودخول الفصائل المتطرفة دينيا من "الجهاد الإسلامي"وحماس" وغيرها إلى مسرح العمليات العسكرية لمقارعة إسرائيل. 
الرسالة الواضحة والجليّة

في المحصّلة النهائية، يبدو أن ما يحصل اليوم من إطلاق عشوائي للصواريخ المقاوماتية، التي تشبه بحجمها وفعلها ورداءتها الصواريخ الفلسطينية البائدة، لا يعدو كونه رسالة من القيادة الجديدة لحزب الله بأنهم مستعدون وجاهزون للعودة بعقارب الساعة إلى الوراء وعودة حزب الله إلى بداياته.

فصواريخ اليوم، ببدائيتها واستهدافاتها العشوائية، ليست إثباتا للقوة كما تريد أن تعتقد بيئة مطلقيها، بل هي إشارة يائسة إلى عودة حزب الله إلى العصر الحجري إن نحن قارنا بين تكنولوجيا اليوم والمستقبل بتلك التي كانت تستعملها التنظيمات الفلسطينية واللبنانية في ثمانينات القرن الماضي. 

هذا في الحقيقة لا يعدو كونه أكثر من إعلان بائس من القيادة الجديدة لحزب الله عن استعدادها لإعادة لبنان إلى حقبة الدمار والقتل والتهجير - ماضٍ قريب لا يرغب أي لبناني عاقل، وخاصةً الجنوبيين الذين مزقتهم عقود من الحرب، في عيشه مجددًا.

إذن، تتشبَّث القيادة الجديدة لحزب الله بعقيدة "المقاومة والممانعة"، وتستغل الحنين إلى الماضي لإخفاء إفلاسها الاستراتيجي. فمن خلال إحياء تكتيكاتها الفاشلة، تسعى تلك القيادة المجنونة إلى إعادة فرض حزب الله كـ"حامٍ" للبنان، بينما تستفز إسرائيل بتهور لا مثيل له - وهي مناورة تُخاطر بتحويل قرى الجنوب الشبه مدمرة أصلا إلى نار ورماد.

هذه ليست مقاومة؛ إنها رغبة فاشية دفينة بالإنتحارالجماعي. 

يجب على المجتمع الدولي والدول العربية والمواطنين اللبنانيين، خاصة الجنوبيين، التصدي لتلك المحاولات كما يفعل اليوم الشعب الفلسطيني مع جنون حماس. 

أنا هنا لا أطالب الجنوبيين حصراً بالتظاهر والإنتفاض على جنون حزب الله، وإنما أتمنى لو أن اللبنانيين الشرفاء حقا يعودون إلى الساحات للتظاهر والمطالبة بمحاسبة قيادة حزب الله على جنوحها الخطير إلى تكتيكات الماضي السحيق - قبل أن تجّر لبنان واللبنانيين إلى "حلبة الرقص" القاتل مع إسرائيل المتوحشة، والدخول في أتون حرب جديدة ستأكل الأخضر واليابس.


 (هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News