يوم الأحد 13 نيسان 1975 لم يكن يوماً عادياً في تاريخ لبنان، بل كان مفترق طرق دخلت معه البلاد في نفقٍ طويل من الحرب الأهلية التي امتدت لخمسة عشر عاماً. في عين الرمانة، وفي لحظة كان يفترض أن تكون احتفالية بتدشين كنيسة جديدة، انقلب المشهد إلى فوضى ودم، لتصبح "بوسطة عين الرمانة" شرارة النزاع الدموي. بين الروايات المتضاربة والذاكرة المتشظية، بقي ذلك اليوم محفوراً في الوجدان اللبناني كرمز لبداية مأساة، لا تزال تداعياتها حاضرة في الخطاب والوعي الجماعي حتى اليوم.


في صباح الأحد 13 نيسان 1975، بدت عين الرمانة وكأنها تعيش يوماً احتفالياً مميزاً. المكان: شارع مارون مارون. المناسبة: تدشين كنيسة سيّدة الخلاص للروم الكاثوليك، بحضور شخصيات بارزة كالرئيس كميل شمعون، والشيخ بيار الجميل، ورئيس بلدية الشياح مارون مارون، إضافة إلى فعاليات المنطقة. التنظيم كان بيد خلايا الطلاب في حزب الكتائب، والمشاركون من أبناء الحي والشباب الحزبيين.

كان سمير، تلميذ ثانوية سعيد، قد وصل مع رفاقه من خلية الكتائب إلى الشارع قرابة الساعة الحادية عشرة صباحاً، لا لحضور القداس، بل لرؤية "الشيخ بيار"، كما كانوا يلقبونه. كان المكان يعجّ بالناس، ومرافقو الشيخ منتشرين لتأمين الحماية. لكن خلف هذه الصورة الهادئة، كانت ملامح يوم أسود بدأت تتشكّل.

الشرارة الأولى

مرت ببطء سيارة "فولكسفاغن" يستقلها شاب يرتدي الكوفية الفلسطينية، فتدخل الشباب لمنعها من تجاوز حاجز الدرك. تقول روايات إن إطلاق نار استهدف السائق بعد رفضه التراجع، فأُصيب إصابة طفيفة. بعدها مباشرة، مرت سيارة "فيات" مسرعة، وأطلق من فيها النار باتجاه المحتشدين أمام الكنيسة، ليسقط جوزيف أبو عاصي، وأنطوان ميشال الحسيني، وعدد من القتلى والجرحى. أُخلي الشيخ بيار بسرعة، وساد اعتقاد بأنه تعرض لمحاولة اغتيال. انتشر الذعر، وبدأ الناس يتراكضون، فيما اندفع شباب الكتائب والأحرار لحمل السلاح، وانتشروا في الشوارع، وبعضهم صعد إلى أسطح المباني.

البوسطة... الدم والنار

في الجهة المقابلة، كان يُقام احتفال في مخيم شاتيلا بذكرى شهداء "عملية الخالصة". وعند انتهاء المهرجان، طلب بعض المشاركين من مصطفى حسين "أبو رضا"، سائق حافلة "دودج فارغو"، نقلهم إلى مخيم تل الزعتر. عند الساعة 12:30، انطلقت الحافلة المحمّلة بالركاب الذين كانوا لا يزالون يعيشون أجواء الحماسة، وربما يرددون أناشيد الثورة الفلسطينية.

دخول الحافلة إلى شوارع عين الرمانة لم يكن متوقعاً. هل كان القدر، أم المصادفة، أم قراراً خاطئاً؟ حين وصلت الحافلة إلى شارع المراية، وكان أهالي المنطقة لا يزالون تحت تأثير الصدمة من الحادث السابق، بدا المشهد للبعض وكأنه هجوم آخر. أُطلقت النيران على الحافلة، وسقط 27 قتيلاً داخلها، بينما نجا السائق بعدما أغلق صمام الوقود لمنع احتراق البوسطة.

نقطة اللاعودة

يروي سمير أنه وزملاءه ظنوا أنهم يتعرضون لهجوم من الفدائيين، فاختبأوا داخل أبنية لا يعرفون ساكنيها، ولم يخرجوا إلا بعد الهدوء. عاد إلى منزله، بينما انطلق والده، كغيره من مقاتلي الكتائب، إلى بيت الكتائب على طريق صيدا القديمة. حينها بدأت ترتسم أولى معالم الحرب: الخوف، السلاح، الشحن، الغضب، والدماء.

تلك الحادثة لم تكن معزولة، فقد مهّدت لها سلسلة من التوترات المتراكمة: الوجود الفلسطيني المسلح، اعتراض الكتائب عليه، الحوادث الأمنية المتكررة، ومقتل معروف سعد في صيدا. كانت البوسطة الشرارة التي فجّرت برميل البارود الجاهز، وأعلنت انطلاق الحرب اللبنانية.

في الليل، هاجم الفدائيون بيت الكتائب، واندلعت اشتباكات عنيفة استمرت طوال الليل، لكنها لم تنجح في اختراق المقر.

رمز لا يُنسى

بقيت البوسطة المثقوبة بالرصاص في مكانها أياماً، قبل أن تُنقل إلى منطقة "سبق الخيل". أما سائقها، مصطفى حسين، فقد نجا لكنه لم يعد لقيادتها، كما روى ابنه. انتقلت ملكيتها لاحقاً وتحوّلت إلى رمز للحرب. في العام 2007، عرضت البوسطة في مهرجان "كي لا تُعاد" في ميدان سباق الخيل، ثم تسلمتها جمعية "أمم" لتتحول إلى تذكار يُحذّر من تكرار المأساة.

رغم صدأ هيكلها وتآكل طلائها، ظلت البوسطة حيّة في ذاكرة اللبنانيين، تعود إلى الواجهة مع كل اضطراب أمني. على مقربة من موقع الحادث، ارتفع تمثال للعذراء سيدة المراية، وسط حديقة صغيرة يجتمع فيها أبناء الحي. وفي لمسة رمزية معاصرة، استُعيدت صورة البوسطة في مشروع "سعادة السما"، مطعم يُقدّم الطعام مجاناً للناس من الجهتين.

هكذا بقيت بوسطة عين الرمانة، لا كوسيلة نقل، بل كعلامة فارقة في تاريخ لبنان الحديث، تُحكى في كل بيت، وتُورّثها الأجيال بسرديات متناقضة، لكنها تتفق على شيء واحد: لا نريد أن تُعاد.


المصدر : نداء الوطن