محمد فحيلي، باحث مقيم في كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB).


في إطار التزامات لبنان بالإصلاح المالي، وبعد ضغوط متصاعدة من المجتمع الدولي وصندوق النقد، أُقرّت تعديلات على بعض المواد الأساسية في قانون السرية المصرفية لعام 1956 وقانون النقد والتسليف. ورغم أهمية هذه التعديلات كخطوة أولى نحو الشفافية والمساءلة، إلا أنها أثارت جدلاً كبيراً حول مدى فعاليتها، لا سيما في ما يتعلّق بسريانها الزمني والمفعول الرجعي.

 

أولاً: المادة 150 من قانون النقد والتسليف

تُعدّ المادة 150 من بين أبرز المواد التي تم تعديلها بموجب القانون رقم 306/2022، حيث ألغت عملياً الامتياز المطلق الذي كان ممنوحاً للمصارف بموجب السرية المصرفية. فقد بات من حق مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والجهات المفوضة من قبلهما، طلب المعلومات المصرفية دون قيود متعلقة بالسرية.

الأهم أن القانون الجديد منح هذه الصلاحيات بأثر رجعي يعود إلى عشر سنوات من تاريخ صدور التعديل، في ما يخص ملفات تتعلق بإعادة هيكلة القطاع المصرفي. ومع ذلك، لم يتّضح بعد ما إذا كانت هذه الرجعية تشمل التحقيقات القضائية أو فقط الإجراءات الرقابية.

 

ثانياً: المادة 7 (هـ) و(و) من قانون السرية المصرفية

التعديلات على الفقرتين (هـ) و(و) أتت لتوسيع صلاحيات الجهات الرقابية في الوصول إلى الحسابات دون اشتراط تحديد اسم العميل أو الحساب سلفاً. وقد نصّ المشرّع صراحة على مفعول رجعي مماثل لمدة عشر سنوات. ولكن هنا أيضاً، تبقى الإشكالية قائمة: هل تشمل هذه الصلاحيات كافة أنواع التحقيقات، أم فقط ما يرتبط بالرقابة المؤسسية؟

 

ثالثاً: غموض المفعول الرجعي

الإشكال القانوني الرئيسي يكمن في عدم وضوح نطاق المفعول الرجعي: هل هو مطلق أم محدود؟ وهل يسري فقط على البيانات المطلوبة لأغراض رقابية، أم يشمل أيضاً الملاحقات القضائية المحتملة؟

الأصل القانوني في لبنان، كما في أغلب الأنظمة، يقضي بعدم رجعية القوانين، لا سيما الجزائية منها، ما لم يُنص على خلاف ذلك صراحة وبوضوح. وإن كانت التعديلات الأخيرة قد نصّت على رجعية مدتها عشر سنوات، فإن الصياغة جاءت مبهمة لجهة مدى انطباقها على الملفات ذات الطابع القضائي أو الجنائي.

وفي ظل هذا الغموض، يُطرح سؤال عملي بالغ الأهمية: كيف سيتعامل المصرفي مع هذا الالتباس؟ هل يُفضّل أن يعمد إلى تقديم كل ما يُطلب منه من معلومات بشكل شمولي واحترازي، تجنّباً للمسؤولية؟ أم يمتنع عن الإفصاح متمسكاً بحدود تفسيرية ضيقة للنص، ريثما يُحسم الأمر قانونياً؟ هذا التردّد قد يخلق تفاوتاً في التطبيق بين مصرف وآخر، ويقوّض فعالية التعديل ذاته.

 

رابعاً: التعديلات الأخرى المقترحة

لا تقتصر التعديلات المقترحة على رفع السرية المصرفية، بل تشمل أيضاً:

إلغاء مطلق للسرية المصرفية أمام القضاء، بما يسمح للسلطات القضائية بالحصول على المعلومات دون الحاجة إلى إجراءات إدارية مطوّلة.

توسيع صلاحيات هيئة التحقيق الخاصة لتشمل التحقيق من تلقاء نفسها، دون انتظار إحالة من القضاء أو الجهات الرقابية.

تعديل قانون العقوبات لربط الإثراء غير المشروع والمضاربة على العملة بإمكانية رفع السرية تلقائياً.

تعزيز دور لجنة الرقابة على المصارف كمصدر أولي للمساءلة، ومنحها القدرة على فرض عقوبات تأديبية ومالية مستقلة عن القضاء.

 

بينما تظهر التعديلات كخطوة إيجابية في الشكل، يبقى المضمون بحاجة إلى تدقيق. فالغموض القانوني في مسألة المفعول الرجعي، والتردد في توسيع الصلاحيات القضائية، قد يؤديان إلى نتائج عكسية، حيث تبقى النوايا الإصلاحية حبيسة النصوص، دون تطبيق فعلي وفاعل.

المرحلة المقبلة تتطلب تفسيراً رسمياً من الجهات التشريعية أو القضائية يوضح مدى سريان التعديلات، وخصوصاً تلك المتعلقة بالمفعول الرجعي. فالإصلاح الحقيقي لا يقوم فقط على تعديل القوانين، بل على تفعيلها بشفافية ودقة ومسؤولية.