وليد الخطيب


في بلدتنا العزيزة، حيث الشجر أكثر حكمةً من بعض البشر – كما في معظم القرى - تُطلّ علينا الانتخابات البلدية والاختيارية كما تُطلّ الشمس في عزّ تموز: لافحة، حارقة، ولا أحد يستطيع الهروب منها… إلا أصحاب النوايا الطيّبة، وهم قلّة منقرضة على شفا الانقراض النهائي.

المرشحون؟ كُثر، كأنما انشقّت الأرض عن جيش من أبناء النوايا المبيّتة، كلٌّ يحمل مشروعًا "حضاريًّا" لإعادة تدوير الحارة… ولكن في جيبه، لا في المزبلة. تتأمل وجوههم في الصور، فتحتار: هل هؤلاء مرشحو إنقاذ بلدي؟ أم إنهم طلاب "إنقاذ" من ديونهم، وهروب جماعي نحو الحصانة، أو نحو دكّةٍ ترفعهم فوق الناس ليصيروا "أهل الحلّ والربط" في شأن عام، لا يعرفون عنه سوى شيفرة الكومسيونات؟

الشعارات؟ هي من عجائب ما رأت عيني وسمعت أذني: "نحن التغيير، والتغيير نحن"، "معًا من أجل الإنماء"، "البلدة أولًا"... وهي عبارات تصلح تمامًا للترويج لمسحوق غسيل أو وجبة سريعة، لكنها لا تُقنع طفلًا في الحضانة. التغيير؟ نعم، لكن في نوع السيارة. الإنماء؟ نعم، لكن في مساحة المزرعة الخاصة. والبلدة؟ دائمًا في المرتبة الأخيرة، بعد "الرّبع" والعشيرة والمحسوبية والأنا.

أما الاجتماعات، فحدّث ولا حرج. جلسات حوارية تكثر فيها الكلمات الرنّانة مثل "الشفافية" و"الرقابة" و"النزاهة" و"العمل"... لكن خلف الستار تُعقد الصفقات، وتُقاس الحصص، كأن البلدة قالب حلوى قُدِّم على طاولة مفاوضات.

اللافت في هذه الانتخابات أن ثمّة مرشحين لا يملكون أي مؤهّل إلا "الوجه"، لا ندري ما إذا كان الوجه في هذا السياق دلالة على الوقاحة أم على الكاريزما، لكن المؤكد أن بعضهم يظن أن حمل اللقب يكفي لتُحلّ مشكلات الصرف الصحّي، ويُعبّد الطريق إلى السماء.

وبين هؤلاء، تجد من لا يفرّق بين "البلدية" و"البندقية"، فيظن أن السلطة تعني السيطرة، وأن انتخابه تفويض إلهي للبطش بالخصوم والتنكيل بمن "لم يعطِه الصوت". وثمّة من لا يقرأ، ولا يكتب، ولا يتكلّم، لكنه يعرف جيدًا كيف يُعقَد تحالف من تحت الطاولة، وكيف يُشترى ضمير من فوق الطاولة.

الناس؟ منقسمون، طبعًا. هذا يقول "ابن عمي ولو ظلم"، وذاك يردّ "ابن خالي أفضل من الغريب"، كأن البلدة عُلبة سردين مقفلة على الأنساب لا على الكفاءات. وما إن تبدأ المعركة حتى تتحول شوارع البلدة إلى ساحة تشبه برامج الواقع: شدّ عصبي، ولاء أعمى، وتصويت لمن يدفع أكثر… أو يَعِد أكثر.

أمّا بعد الانتخابات، فكلّنا سنعود إلى منازلنا وننام على أكوام الوعود، بين حفرةٍ في الشارع، وانقطاع ماء، وتلال من النفايات، وصيانة معدومة، وذكرى صورة لمرشّح قال ذات يوم أنه سيحوّل البلدة "جنة"، فإذا به يجعلها جحيمًا!

قد يقول قائل: "ما هذا التهكّم؟ أليس بينهم رجل رشيد؟" والجواب: ربما. لكن الرشيد – في هذه الأجواء – إمّا مستنكف، أو معترض، أو محاصر بجوقة لا تسمع سوى صوت صاحب النفوذ.

أيها المرشَّحون والناخبون، الكرسي إذا اهتزّ… لا يهتزّ المرشح، بل تهتزّ البلدة. فاختاروا من لا يسعى إلى الكرسي… بل إلى خدمتها


المصدر : Transparency News