تأتي الانتخابات البلدية في لبنان هذا العام وسط مناخ سياسي متقلّب وظروف استثنائية، بعد التحولات الكبرى التي شهدها البلد على المستويين الداخلي والإقليمي. وبينما تستعد القوى السياسية لخوض هذا الاستحقاق، تبدو الحماسة الشعبية خجولة، مع تصاعد الأسئلة حول أبعاد هذه الانتخابات وأثرها على موازين القوى قبل الانتخابات النيابية المنتظرة عام 2026. فالاستحقاق البلدي، وإن كان في ظاهره إنمائيًا وعائليًا، يشكّل في عمقه محطة أساسية لقياس اتجاهات المزاج الشعبي، وتحديد معالم التحالفات السياسية المقبلة، وسط متغيرات دراماتيكية في البيئات الشيعية والدرزية والسنية والمسيحية على حد سواء.


تفصلنا أيام قليلة عن انطلاق المرحلة الأولى من الانتخابات البلدية في لبنان، وسط فتور شعبي ملحوظ. يعود ذلك إلى قصر المدة بين الإعلان الرسمي عن موعد الانتخابات وفتح صناديق الاقتراع، إلى جانب تشكيك البعض بإمكانية تأجيلها. إلا أن الأسباب الأعمق تكمن في التبدلات السياسية التي أحدثتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة، بالإضافة إلى الحسابات السياسية التي تضع الانتخابات النيابية المرتقبة بعد عام في الحسبان.

تعامل القوى السياسية الاستحقاق البلدي بحذر، مدعيةً أن الانتخابات البلدية تختلف عن النيابية، لكنها فعليًا تتحضر من خلاله لخوض معركة 2026 النيابية. منذ آخر انتخابات نيابية عام 2022، شهدت البلاد تغييرات جوهرية مع انتقال الرئاسة من ميشال عون إلى جوزاف عون، وتحول لبنان من المحور الإيراني إلى الرعاية السعودية.

وعلى الساحة الشيعية، يكمن التحدي الأكبر في اختبار قدرة حزب الله التنظيمية ومدى تغيّر المزاج الشعبي بعد وفاة السيد حسن نصرالله. ورغم استمرار التأييد الكبير للحزب، تطرح تساؤلات حول الأوضاع المالية للحزب والعلاقة مع حركة "أمل"، خاصة في ظل تفاوت وجهات النظر حول الحرب والرؤية المستقبلية. كما برزت بعض الأصوات العائلية المستقلة، لكنها بقيت محدودة حتى الآن. مع ذلك، يبقى طيف السيد نصرالله حاضرًا بقوة، مؤجلاً أي تغيير كبير إلى ما بعد الانتخابات المقبلة.

أما الساحة الدرزية، فتواجه تحديات مختلفة، أبرزها غياب المرجعية الموحدة بعد تراجع وليد جنبلاط وعدم ترسيخ زعامة نجله تيمور، إلى جانب تنامي التيارات المتشددة وتأثيرات التغيير الديمغرافي في القرى المختلطة. الانتخابات البلدية ستعكس جزءًا من هذه التحولات، لكنها لن تحسم مصيرها بالكامل.

في المقابل، لا تزال الساحة السنية تعيش حالة من الفراغ بعد غياب سعد الحريري. وعلى الرغم من محاولاته إبقاء تيار "المستقبل" حاضرًا، فإن غياب أي دعم سعودي واضح يؤجل عودته السياسية الكاملة. تشكّل الانتخابات البلدية فرصة لمراقبة تمدد التيارات الإسلامية، خاصة في الشمال والبقاع وصيدا، بينما تبقى معركة بيروت البلدية سياسية بامتياز.

أما على الساحة المسيحية، فتسعى "القوات اللبنانية" لترسيخ نفوذها عبر السيطرة على اتحادات البلديات واستقطاب الشخصيات المحلية، مستنسخةً تجربة التيار الوطني الحر بعد عودة ميشال عون في 2005. ومع ذلك، تبقى الأنظار متجهة إلى موقع رئيس الجمهورية جوزاف عون ومدى رغبته مستقبلاً بتشكيل كتلة نيابية داعمة له، وهي خطوة لم تظهر معالمها بعد، لكنها تبقى احتمالاً يؤثر في الحسابات والتحالفات المسيحية المقبلة.

بالمحصلة، تحمل الانتخابات البلدية مؤشرات سياسية مهمة ترسم ملامح الحقبة الجديدة التي دخلها لبنان، والتي ستتبلور ملامحها بشكل أوضح مع اقتراب الانتخابات النيابية عام 2026.


المصدر : الجمهورية