في ظلّ الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعصف بلبنان منذ أواخر عام 2019، وجّه الخبير المالي والمصرفي نيكولا شيخاني رسالة مباشرة إلى الحاكم الجديد لمصرف لبنان، كريم سعيد، رحّب فيها بتعيينه وتمنّى له النجاح في مهمته "الصعبة والدقيقة"، معتبرًا أن البلاد تقف اليوم أمام مفترق مصيري يتطلّب قرارات جريئة وإصلاحات شاملة.


ولفت شيخاني، في حديثه ضمن برنامجه "مع نيكولا"، إلى أن لبنان لم يشهد منذ بدء الانهيار أي إصلاح مالي أو مصرفي أو اقتصادي فعلي، بينما الدولة لا تزال في حالة من الجمود. وقال: "نحن اليوم هنا لدعم الحاكم الجديد ومساعدته على إعادة لبنان إلى سكة التعافي، ليعود كما كان في السبعينيات، منارة اقتصادية وسويسرا الشرق الأوسط".

إصلاح داخلي في بنية المصرف المركزي

أشار شيخاني إلى مجموعة من الملفات التي ينبغي التطرق إليها سريعًا، بدءًا من إصلاح الحوكمة الداخلية في مصرف لبنان، وتحديدًا تفعيل الاستقلالية الكاملة للجنة الرقابة على المصارف، وهيئة التحقيق الخاصة، و"اللجنة المصرفية العليا"، إضافة إلى الفصل التام بين هيئة الأسواق المالية والمصرف المركزي، منعًا لتضارب المصالح وامتثالًا للمعايير الدولية.
وأوضح أن غياب هذه الاستقلالية كان من أبرز أسباب الأزمات الكبرى التي شهدها القطاع، ومنها أزمة شركة "أوبتيموم"، معتبرًا أن على الحاكم الجديد إعادة هيكلة هذه البنية لضمان الشفافية والمحاسبة.

إعادة هيكلة المصارف وبناء الثقة

وفي الشق الخارجي، دعا شيخاني إلى المضي قدمًا في إعادة هيكلة المصارف اللبنانية عبر قانون إصلاحي قيد الإعداد، مع ضرورة إدخال التعديلات اللازمة عليه بما يضمن إعادة الرسملة، وتشجيع عمليات الدمج، واستعادة ثقة المودعين والمستثمرين. وأكد أن هذه الخطوة تُعدّ أساسية للحدّ من الاقتصاد النقدي العشوائي، وللالتزام بتعهدات لبنان تجاه المجتمع الدولي.

سياسة نقدية شفافة وربطها بخطة نمو

كما طالب بوضع سياسة نقدية واضحة تُبنى على أسس شفافة، قد تشمل تعويمًا مدروسًا لسعر الصرف بالتعاون مع منصة "بلومبرغ"، ما يتيح اكتشافًا عادلًا للأسعار واستقرارًا في الأسواق. وأكّد ضرورة تفعيل المادة 70 من قانون النقد والتسليف، التي تلزم مصرف لبنان بالمساهمة في وضع خطة نمو اقتصادي متكاملة بالتعاون مع الدولة.

استرداد أموال المودعين: مشروع قانون د. فريد البستاني

وفي ختام حديثه، شدّد شيخاني على أهمية مشروع القانون الذي أعدّه النائب الدكتور فريد البستاني، والذي يتيح استرداد 100% من ودائع المودعين خلال فترة تتراوح بين أربع وخمس سنوات. واعتبر أن هذه الخطة، وهي الوحيدة القادرة على تحقيق انتظام مالي فعلي، توزّع المسؤوليات بعدالة، وتحفظ حقوق المودعين، وتعيد الثقة بالقطاعين المالي والمصرفي في لبنان.

الثقة أولًا

وختم شيخاني بدعوة الحاكم الجديد إلى تبنّي هذه الخطوات كخريطة طريق ملحّة، قائلاً: "استعادة الثقة هي الأساس. من دون ثقة، لا استثمار ولا إنقاذ. والمطلوب اليوم أن نعيد للمواطن قوّته الشرائية كي تتحرك العجلة الاقتصادية من جديد".