محمد فحيلي - خبير في السياسات النقدية والمخاطر المصرفية


في سياق محاولة فهم وتعريف جذور الأزمة المالية التي تضرب لبنان منذ خريف عام 2019، لا بد من مقاربة دقيقة ومتأنية تكشف تداخل عناصرها، وتُحمّل كل طرف ما عليه من مسؤوليات. وإذا ذهبنا إلى تفكيك هذه الجذور، فإننا نقف أمام ثلاث ركائز مترابطة:

1. الدين العام الذي راكمته الدولة اللبنانية نتيجة السياسات المالية التوسعية غير المنتجة، وغياب الرؤية التنموية، والتوظيف السياسي لموارد الدولة.
2. توظيفات القطاع المصرفي لدى مصرف لبنان، والتي جُيّرت تحت مسمى "الهندسات المالية" لضمان استمرارية الاستدانة، لكنها أدت عملياً إلى تجفيف السيولة واحتجاز الودائع وتفريغ المصارف من أدواتها الأساسية.
3. ودائع اللبنانيين، أفراداً ومؤسسات، مقيمين وغير مقيمين، لدى المصارف التجارية، والتي أصبحت اليوم ضحية السياسات الخاطئة للدولة والمصرف المركزي، وتقصير القطاع المصرفي في أداء دوره كوسيط مالي ملتزم بالمهنية والمساءلة.

إنّ الفجوة المالية ليست مصطلحاً محاسبيّاً فحسب، بل هي توصيف دقيق لخلل عميق في النظام المالي اللبناني. وهي نتيجة لسنوات من إنكار الواقع، ورفض الإصلاح، وتحميل المواطن فاتورة الهدر والفساد والتسيّب.
العودة إلى الانتظام الاقتصادي لا تبدأ بالأرقام، بل بالوعي، وبتحمّل المسؤولية، وباستعادة المعايير المهنية التي هُدرت. هذه العودة تتطلب أيضاً مقاربة صريحة لا تبحث عن كبش فداء، بل عن حل مستدام قائم على الثقة والعدالة، مدعوم بموارد خارجية وداخلية تعيد تحريك الدورة الاقتصادية على أسس سليمة.
الاعتراف بالخلل هو بداية الإصلاح، والتعامل مع "الفجوة" كممر إلزامي للحل هو أولى خطوات الخروج من النفق.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News