انفجار بندر عباس: جريمة إهمال بحجم دولة… والحرس الثوري في قفص الاتهام
03-05-2025 11:31 AM GMT+03:00
في السادس والعشرين من نيسان 2025، استفاق الإيرانيون على وقع كارثة جديدة، وهذه المرة من بوابة بندر عباس، وتحديدًا في ميناء "شهيد رجائي" الحيوي. الانفجار العنيف الذي حوّل الميناء إلى ساحة دمار أوقع 18 قتيلًا، مئات الجرحى، وعددًا من المفقودين، لكنه لم يكن مجرد حادث عرضي أو قضاء وقدر. ما جرى هو نتاج مباشر لإهمال قاتل وسلوك غير مسؤول، تتحمل مسؤوليته الكاملة مؤسسة الحرس الثوري الإيراني، التي لم تعد فقط قوة عسكرية، بل عبء أمني واقتصادي واجتماعي على البلاد.
التحقيقات الأولية كشفت عن أن السبب الرئيسي للانفجار هو تخزين مواد شديدة الانفجار، بينها "بيركلورات الصوديوم"، المستخدمة في تصنيع وقود الصواريخ، داخل الميناء وبالقرب من مناطق مأهولة بالسكان، ودون أدنى احترام لمعايير السلامة. المواد وصلت من الصين قبل نحو شهرين، وتم وضعها تحت إشراف الحرس الثوري ضمن نشاطاته السرية المتعلقة ببرنامجه الصاروخي. المشهد يعيد إلى الأذهان مشاهد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وكأن السيناريو يعاد بصيغة فارسية.
مع غياب تجهيزات الإطفاء اللازمة، وبدائية الاستجابة للحريق، تفاقمت الكارثة. أُغلقت المدارس، تعطلت الحياة، وغطى الدخان سماء المدينة. الحادث لم يمر مرور الكرام شعبياً؛ إذ عبّر الإيرانيون عن سخطهم المتزايد حيال مؤسسة تستبيح أمنهم الداخلي مقابل أجندة عسكرية عابرة للحدود. المقاومة الإيرانية، وفي طليعتها المجلس الوطني للمقاومة، لم تتأخر في تحميل الحرس الثوري كامل المسؤولية، مجددة مطالبتها بحلّه أو تصنيفه كمنظمة إرهابية.
سياسيًا، جاء الانفجار ليقوّض موقف طهران في المحادثات النووية الجارية في مسقط. الحادث فضح هشاشة البنية العسكرية الإيرانية، وعجز النظام عن ضبط مواده الإستراتيجية، ما أثار شكوكًا أوسع بشأن مصداقيته في ما يتعلق ببرنامجه الصاروخي. التسريبات أشارت إلى أن المواد المنفجرة كانت جزءًا من شحنة معدّة لتطوير صواريخ باليستية، وهو ما منح خصوم إيران، وفي مقدمتهم واشنطن وتل أبيب، ورقة ضغط جديدة لفرض شروط أكثر صرامة.
ميناء شهيد رجائي، الذي يُعدّ شريانًا اقتصاديًا تتجاوز طاقته 80 مليون طن سنويًا، شُلَّ بالكامل. توقف الملاحة، تدمير منشآت، وتعطل الشحنات الأساسية كلها أمور كبّدت الاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً خسائر فادحة. في ظل الحصار الاقتصادي والتضخم، جاءت هذه الضربة لتعري مدى الفشل البنيوي في إدارة المرافق الحيوية تحت وصاية عسكرية. إنه نموذج حيّ عن كيف يمكن لعسكرة الاقتصاد أن تتحول إلى قنبلة موقوتة.
اجتماعيًا، الانفجار فجّر أيضًا موجة غضب شعبي بات من الصعب احتواؤها. الإيرانيون، الذين أنهكتهم الأزمات الاقتصادية وتضييق الحريات، يرون في الحرس الثوري كيانًا منفلتًا، يُهدر أموال الدولة، ويعرّض حياة المدنيين للخطر، ويقمع أي صوت معارض. الاحتجاجات المتصاعدة مرشحة للتوسع، خصوصًا في حال استمرار سياسة الإنكار الرسمية.
انفجار بندر عباس لم يكن مجرد حادث عرضي، بل صفعة مدوية تُظهر فشل الحرس الثوري في حماية الإيرانيين، وتُعيد تسليط الضوء على ضرورة إعادة بناء الدولة الإيرانية على أسس مدنية لا عسكرية. الحرس، الذي كان من المفترض أن يحمي السيادة، بات اليوم أحد أبرز مهدديها. والحل، وفقًا لكل المعطيات، يبدأ من رفع الغطاء عن هذه المؤسسة وإعادة الاعتبار للمؤسسات المدنية التي فقدت دورها لصالح العسكرة الممنهجة.
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )
المصدر : Transparency News








