في واقعة لافتة تكشف عمق المأزق الإعلامي الرسمي في الجزائر، تحوّلت إجابة أكاديمية بحتة من المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث إلى شرارة أشعلت موجة غضب هستيرية، ليس تجاه قناة سكاي نيوز عربية التي استضافته، بل تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة بأكملها.


الإعلامية فضيلة السويسي طرحت سؤالًا مهنيًا حول دراسة بلغيث للأمازيغية، فجاء جوابه تاريخيًا محضًا، خاليًا من أي إيحاء سياسي أو نية استهداف، إلا أن أجهزة الإعلام الرسمية الجزائرية قررت تحويل المقابلة إلى أزمة سياسية مفتعلة.

ما أعقب المقابلة تجاوز كل الأعراف الإعلامية والدبلوماسية. التلفزيون الرسمي الجزائري، بلسانه الخشبي المعتاد، أطلق تقارير مليئة بالتجريح والاتهامات العشوائية، موجهًا سهام خطابه ليس فقط إلى القناة، بل إلى دولة الإمارات بكاملها. والغريب أن هذا الهجوم جاء من إعلام رسمي من المفترض أن يعكس سياسات الدولة لا انفعالات أفرادها، فاستخدم خطابًا يفيض بالغضب والانفعال، بل وبمفردات تنتمي إلى زمن ما قبل الدولة الحديثة، زمن الشتائم والاتهامات بدل الحوار والتعقل.

في المقابل، لم تنجر الإمارات وراء هذه اللغة المتدنية، بل مضت في نهجها الثابت: لغة الإنجاز، والتخطيط، والاستثمار في المستقبل. بين منطق الإمارات المستند إلى الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا، ومنطق الخطاب الجزائري الذي استحضر مفردات العصور الوسطى، بدا الفرق صارخًا، بل مؤلمًا. فبينما تسعى الإمارات لتوسيع آفاقها في الذكاء الاصطناعي والابتكار، لا يزال الإعلام الجزائري يتخبط في خطابات خشبية وشعارات جوفاء تعكس عجزًا عن مجاراة العصر.

إن ما حدث لا يعدو كونه وصمة على جبين من قرروا فقدان أعصابهم في وجه سؤال علمي وجواب أكاديمي. فهل أصبحت الأسئلة حول التاريخ محرّمة؟ وهل بات الحوار مع مؤرخ يستدعي هجومًا على دولة؟ هذا الانفلات يؤكد أزمة عميقة في إدارة الخطاب الإعلامي الجزائري، الذي بدلاً من أن يكون أداة توعية وتقدم، تحوّل إلى منبر للردح والشتم.

في النهاية، يبقى الفارق واضحًا: هناك من يردّ على الحوارات بالإنجازات، وهناك من يردّ عليها بالصراخ... والإمارات اختارت الطريق الذي يصنع المستقبل.


المصدر : Transparency news