مساعد المغنم - إعلامي كويتي - مستشار سياسات وإستراتيجيات


في بلادنا المنهكة بالانتماءات الثقيلة، لا شيء يمر مرور الكرام حتى فنجان القهوة! كوب “ستاربكس”؟ بالنسبة كمثال صار محاولة يائسة للاستيقاظ. بالنسبة لغيرك؟ فهو خيانة موثقة بالرغوة ، تطبيع مغلّف بالكريمة، وسقوط في اختبار الوطنية الصباحية ! تصحو بنيّة طيبة، تبحث عن الكافيين لا أكثر. لكن قبل أن ترتشف أول جرعة، تنهال عليك الاتهامات: ـ “هذا دعم صريح للإمبريالية!”

ـ “ما تعرف إنهم ضد القضية؟” ـ “القهوة الأصلية في ديرتنا، مو عندهم!” ـ “ما يصير الوطني يشرب من هذه الشركة !” - انت لست بمسلم !!!! - كم طفل قتلت اليوم !!!! - وغيرها من تهم واتهامات محضرة مسبقا ! وكل ما فعلته… أنك طلبت “ من شركة مغضوب عليها لدعمها بحسب اتهامهم لجيش الاحتلال متناسين انها بداخل هذا البلد شركة محلية وهي ليست الوحيدة بل غيرها الكثير لكن حوصرت القضية بشركة او اثنتين والحديث يطول بذلك ”. الأغرب من ذلك أن هو من يُدينك، يفعل ذلك من خلف شاشة آيفون، داخل مقهى فاخر مستورد بكل تفاصيله ما عدا خطابه الغاضب، فهو محلي، صُنع على عين أيديولوجيا غاضبة ترى في كل اختلاف خصومة، وفي كل ذوق خاص مؤامرة. والأكثر غرابة: عندما نسافر للخارج ، تجد من اتهمك بتهم معلبة يقف معك بالطابور لطلب فنجان قهوة من نفس تلك الشركة وهو مايثير الاستغراب! 

هكذا، يتحول كوب القهوة إلى راية. إذا رفعته، يجب أن تبرّر. وإذا خفضته، يجب أن تفسّر. لأن كل شيء صار اختبار ولاء: ملابسك، هاتفك، لهجتك، قهوتك. من قال إن الانتماء يُقاس بدرجة التحميص؟ من منح النخب ، الحزبية أو القومية أو الدينية ، حق السيطرة على تفاصيلنا اليومية؟ من قرر أن وعينا السياسي مرهون بماركة الكافيين التي نختارها ؟!

إنها ليست غيرة على الوطن بقدر ما هي وصاية تُقزّم الإنسان، وتحوّله إلى نسخة طبق الأصل من “المناضل النموذجي” الذي يشرب ما يُسمح له، ويغضب حين يُطلب منه، ويستهلك بما لا يجرح مشاعر الحزب. وما نحتاجه اليوم ليس فقط مراجعة خياراتنا الاستهلاكية، بل التحرر من هذه الثقافة التي تحاكم الناس على ذوقهم، وتختزل مواقفهم في فنجان. لكن هناك ما يُعزّينا في هذا المشهد المربك: دولٌ لم تنشغل بتفتيش أكواب الناس، بل وجّهت بوصلتها نحو خدمة الإنسان أيًا كان مذهبه أو جنسيته أو اختياره وهنا نتحدث بفخر واعتزاز عن دولة الكويت، بقيادتها الحكيمة حفظها الله ورعاها، وشعبها الأبيّ، والتي تمثل أنموذجًا في الالتزام الصادق والدائم بالقضايا الإنسانية والعربية والإسلامية، قولًا وفعلًا. وهي التي لم تتاجر بمواقفها، ولم تزايد على خيارات الناس، بل انشغلت بدعم المحتاج، ونصرة المظلوم، ورعاية الملهوف…

وهذا هو الوعي الحقيقي، لا وعي "المزاج الحزبي او استراد الأجندات السياسية الاقليمية دون قصد للبعض او بقصد البعض الاخر ". فاشرب قهوتك مطمئنًا… إنما العبرة بما تقدمه، لا بما تحتسيه وباللبناني صحنين عقلبك شربت ستاربكس او كوستا او كوفي بين …الخ العلامات التجارية . والسلام ختام …


المصدر : Transparency News