ديان سامر اللبّان – باحثة في التنمية الإقتصادية والاجتماعية


في وقتٍ يستمر فيه التعويل على مساعدات خارجية طال انتظارها، ويطغى فيه خطاب إعادة الإعمار على الطوب والحديد، يغيب عن بال صانعي القرار في لبنان أن هناك جسوراً أهم من الإسمنت، وهي جسور الأمل التي تضع الإنسان في صلب عملية التعافي.

لبنان لا يعيش أزمة مالية فحسب، بل أزمة وجودية تهدد نسيجه الاجتماعي. في شوارع طرابلس وصيدا وبعلبك، البطالة تفتك بالشباب، الفقر يحاصر العائلات، واليأس يهاجر بالعقول قبل الأجساد. والمفارقة أن أغلب خطط "النهوض" لا تزال محصورة في ملفات البنى التحتية، وكأن الإنسان تفصيل ثانوي.

إعادة تعريف التعافي: من إصلاح الجدران إلى ترميم الإنسان

التعافي لا يكون ببناء الجسور فحسب، بل ببناء الثقة، وتمكين الناس من استعادة دورهم في الإنتاج والمشاركة. وقد أثبتت تجارب دول مثل رواندا وكينيا وأفغانستان أن الشراكات بين القطاعين العام والخاص في القطاع الاجتماعي (أو ما يُعرف بـ Soft PPP) يمكن أن تُحدث فرقاً حقيقياً، خصوصاً في مجالات الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية، والتدريب المهني.

فبدلاً من انتظار التمويل الضائع، يمكن للبنان أن يطلق مشاريع صغيرة ذات أثر مباشر، منها:

●        عيادات صحية متنقلة تصل إلى قرى الأطراف المحرومة من أبسط حقوق الرعاية.

●        مراكز تدريب مهني للشباب في مجالات حيوية مثل الطاقة المتجددة والرعاية الصحية.

●        إعادة تأهيل المدارس الرسمية المتضررة بالشراكة مع مبادرات أهلية وخاصة.

●        مشاريع تدوير النفايات التي تخلق وظائف وتحسن البيئة في آن.

●        برامج "غذاء مقابل عمل" تحمي كرامة المحتاج وتعيده إلى قلب المجتمع.

لماذا هذا النموذج بالذات؟

لأنه:

●        يُعيد الكرامة للناس عبر خدمات ملموسة.

●        يُحفّز تمويلاً غير مشروط من مانحين ومؤسسات خيرية ومجتمع دولي.

●        يخلق فرص عمل عاجلة ويمنع الانهيار الاجتماعي.

●        يُعزّز الثقة المفقودة بين المواطن والدولة.

 

ما الذي نحتاجه لننجح؟

●        قرارات وتشريعات مرنة تُتيح هذا النوع من الشراكات.

●        وحدة تنفيذية مستقلّة تتابع المشاريع وتضمن شفافيتها.

●        مقاربة لا مركزية تُشرك البلديات والمجتمع المدني في اختيار المشاريع وتنفيذها.

●        معايير تقييم شفافة وواضحة للأثر الاجتماعي.

إلى صانعي القرار: تجرّؤوا!

لبنان لا يحتاج إلى إعادة اختراع العجلة. بل إلى تحريكها. النماذج الناجحة موجودة، والموارد البشرية حاضرة، والإرادة المجتمعية متوفرة. ما ينقص هو الجرأة في الخروج من النماذج التقليدية والنظر إلى الإنسان باعتباره البنية التحتية الأهم.

إن بناء جسر فوق نهر قد يُسهّل التنقل، ولكن بناء جسر ثقة بين الدولة والمواطن هو ما يعيد الأمل، ويصنع وطناً جديراً بالحياة.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News