يستعد لبنان لموسم سياحي واعد بعد سنوات من الركود، مستفيداً من مؤشرات مشجعة أبرزها رفع الحظر الإماراتي عن السفر إليه. الحكومة والقطاع السياحي في حالة تأهب، وسط خطط أمنية وترويجية متكاملة تهدف إلى إعادة لبنان إلى خارطة السياحة العالمية، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية القائمة.


بعد سنوات من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية التي عطّلت الحركة السياحية في لبنان، تعكف الحكومة والجهات المعنية على تنفيذ خطة شاملة لإنعاش القطاع استعدادًا لموسم الاصطياف المقبل. هذه الجهود تأتي في ظل مؤشرات إيجابية، أبرزها إعلان الإمارات العربية المتحدة إلغاء قرار منع سفر مواطنيها إلى لبنان، ما يعزز التفاؤل بإمكانية استقطاب أعداد كبيرة من السياح الخليجيين، الذين شكّلوا تاريخيًا إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد السياحي اللبناني.

في هذا السياق، وضعت الحكومة اللبنانية خطة متعددة الأبعاد لضمان استقرار الموسم السياحي، حيث تُركز الجهود على توفير بيئة آمنة للسياح، وتحسين الخدمات، ومواكبة التحديات اللوجستية التي قد تواجه الزوار. وتشمل الخطة تشكيل غرفة عمليات سياحية للتعامل الفوري مع أي مشكلات قد تواجه السياح، فضلاً عن تعزيز الإجراءات الأمنية في المطار والمناطق السياحية الرئيسية.

إجراءات وزارة السياحة لإنعاش القطاع

من جهتها، كشفت وزيرة السياحة اللبنانية، لورا الخازن لحود، عن مجموعة من المبادرات التي تهدف إلى جعل لبنان وجهة سياحية جاذبة ومتنوعة، تمتد طوال أشهر السنة بدلًا من اقتصارها على الموسم الصيفي فقط. هذه المبادرات تتراوح بين دعم السياحة البيئية، والدينية، والطبية، والثقافية، إلى مراقبة الأسعار وضبطها لضمان التنافسية والشفافية بالتعاون مع الهيئات الاقتصادية.

كما تتضمن الخطة الترويجية التي تعمل عليها الوزارة إعادة إحياء المهرجانات السياحية الكبرى، التي كانت تشكّل عنصرًا أساسيًا في جذب الزوار من مختلف أنحاء العالم. بالإضافة إلى ذلك، تسعى الوزارة إلى إشراك المغتربين اللبنانيين في تنشيط القطاع من خلال الاستثمار في مشاريع مبتكرة وطرح مبادرات جديدة تعزز من حيوية الاقتصاد السياحي.

هل يستعيد لبنان لقب "سويسرا الشرق"؟

لطالما كانت السياحة حجر الأساس في الاقتصاد اللبناني، حيث عاش القطاع عصره الذهبي في خمسينات وستينات القرن الماضي عندما كان يُعرف لبنان بـ"سويسرا الشرق"، نظرًا لازدهار السياحة والبنية المصرفية القوية. في عام 1974، استقبل لبنان نحو 1.4 مليون سائح، وكان يشكّل السياح العرب نسبة كبيرة من الزوار إلى جانب الأوروبيين، مما جعل القطاع مصدرًا رئيسيًا للعملات الأجنبية وعاملًا في تعزيز الميزان التجاري.

إلا أن هذه الصورة المشرقة للسياحة اللبنانية بدأت بالتراجع مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، ثم تفاقمت الأزمات مع تعاقب الأحداث السياسية والأمنية، وصولًا إلى الأزمة الاقتصادية في عام 2019، التي تزامنت لاحقًا مع تفشي جائحة كورونا عام 2020، لتُسجّل حينها خسائر غير مسبوقة، أدّت إلى إغلاق العديد من الفنادق والمطاعم وتوقّف شبه كامل للرحلات الجوية.

التحديات والفرص أمام القطاع السياحي

ورغم محاولة القطاع التعافي في السنوات الأخيرة، فإن الأحداث الأمنية المرتبطة بحرب غزة عام 2023 وما تبعها من تصعيد واسع بين حزب الله وإسرائيل الصيف الماضي، أثرت بشكل كبير على النشاط السياحي، وألحقت خسائر طائلة بالاقتصاد اللبناني.

لكن مع انتهاء الحرب وإعادة لبنان إلى دائرة الاهتمام السياسي والاقتصادي الإقليمي، عاد التفاؤل بفرصة ترسيخ استقرار سياسي مستدام يساهم في تحقيق التعافي الاقتصادي والنقدي، ويساعد في إعادة بناء القطاع السياحي، رغم وجود عقبات كبيرة أبرزها تحدي إعادة الإعمار والحاجة الملحّة للاستثمار في البنية التحتية.

توقعات لموسم سياحي نشط رغم العقبات

بحسب التقديرات، من المتوقع أن يشهد لبنان حركة سياحية نشطة في موسم الصيف المقبل، خاصة بعد القرارات الأخيرة المتعلقة بالسماح لمواطني دول الخليج بالعودة إلى لبنان، إضافة إلى الإصلاحات الحكومية الرامية إلى تحسين المناخ السياحي عبر تقديم ضمانات أمنية ولوجستية للزوار.

وفي هذا الإطار، تعمل وزارة السياحة جنبًا إلى جنب مع النقابات والهيئات الاقتصادية لوضع خطة تسويقية جديدة، تهدف إلى إعادة لبنان إلى خارطة السياحة العالمية، وتشجيع السياحة الداخلية، وتحفيز المستثمرين على تطوير المشاريع السياحية التي تدعم النمو المستدام للقطاع.

ورغم التحديات التي تواجه البلاد، يُعوّل لبنان على قدرته التاريخية في تجاوز الأزمات واستعادة جاذبيته السياحية، مع آمال بأن يكون الصيف المقبل نقطة انطلاق جديدة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للقطاع السياحي


المصدر : الشرق الأوسط