تشهد أسواق النفط العالمية مرحلة دقيقة تتسم بتقلبات حادة وعدم وضوح في الرؤية المستقبلية، في ظل تداخل عوامل اقتصادية وجيوسياسية معقدة. فمن زيادة الإنتاج التي أعلنها تحالف "أوبك بلاس"، مروراً بتباطؤ الاقتصادات الكبرى، وصولاً إلى التحولات في العلاقات الدولية والنزاعات التجارية، تتشكل بيئة غير مستقرة تضع أسعار النفط تحت ضغوط متباينة.


في خضم التوترات التي تعصف بأسواق النفط العالمية، أثارت التقديرات الأخيرة لبنك "غولدمان ساكس" اهتمام الأوساط الاقتصادية، لا سيما بعد إعلان تحالف "أوبك بلاس" نيته زيادة معدلات الإنتاج في المرحلة المقبلة.

هذه التوقعات تزامنت مع تصاعد المخاوف حول المسار المستقبلي لأسعار النفط، وانعكاساته المحتملة على الاقتصاد العالمي. إذ يتوقع "غولدمان ساكس" حالياً أن يبلغ متوسط سعر الخام الأميركي 56 دولاراً للبرميل هذا العام، أي أقل بثلاثة دولارات من تقديراته السابقة، نتيجة الارتفاع السريع في إمدادات "أوبك بلاس" إلى السوق.

وفي وقت سابق من الأسبوع، تراجع خام برنت وغرب تكساس الوسيط الأميركي إلى أدنى مستوياتهما منذ شباط/فبراير 2021، قبل أن يعاود برنت الارتفاع مقترباً من 62 دولاراً للبرميل.

عوامل متداخلة تؤثر في السوق

في حديث إلى "النهار"، أوضح الخبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، د. علي حمّود، أن أسعار النفط العالمية تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2024 بفعل جملة من العوامل، أبرزها التطورات الجيوسياسية، حرب الرسوم الجمركية الأميركية، وتزايد التوترات التجارية العالمية.

وأشار حمّود إلى أن الأداء الضعيف للنفط خلال الأشهر الستة الماضية تأثر كذلك بزيادة إنتاج أوبك وحلفائها بنحو 138 ألف برميل يومياً في نيسان/أبريل، إضافة إلى تباطؤ الاقتصاد الأميركي الذي أظهرته بيانات حديثة، مما أثار مخاوف من ركود محتمل. كما أسهمت البيانات الصينية الضعيفة في تراجع ثقة المستثمرين في سوق النفط.

وأضاف حمّود أن واردات الصين من النفط انخفضت بنسبة 5% خلال أول شهرين من 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق تقارير من سوق سنغافورة. كما لفت إلى أن التقديرات الدولية بشأن أسعار النفط تتأثر أيضاً بتداعيات الرسوم الجمركية الأميركية، رغم قيام واشنطن بتعديل أو تأجيل بعض الإجراءات.

وتابع موضحاً أن بعض التوقعات المتشائمة، التي رجحت تراجع سعر خام برنت إلى أقل من 40 دولاراً في أواخر 2026، تبدو مبالغاً فيها، خصوصاً في ظل توقعات "غولدمان ساكس" بوصول سعر خام برنت إلى 55 دولاراً للبرميل بحلول كانون الأول/ديسمبر المقبل.

وأشار أيضاً إلى أن تحالف "أوبك بلاس" شهد تحولاً مهماً مع ضخ كميات من النفط تفوق التوقعات، بعد فترة طويلة من ضبط الإنتاج.

آفاق مستقبلية غير واضحة

تراجعت أسعار النفط مجدداً على وقع تحذيرات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي من تصاعد مخاطر التضخم والبطالة، إذ أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير لكنه أشار إلى تنامي الضغوط الاقتصادية، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تبعات سياسات الرسوم الجمركية المعتمدة من إدارة الرئيس دونالد ترامب.

وأكد حمّود أن تحسن العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة في عهد ترامب ساهم في خفض الأسعار، خلافاً للمرحلة السابقة إبان إدارة بايدن. كما أن أي تسوية محتملة مع إيران أو نهاية الحرب بين روسيا وأوكرانيا قد تعزز الإمدادات النفطية عالمياً.

وشدد على أن حالة عدم اليقين والتوترات الجيوسياسية ستواصل دفع السوق نحو تقلبات حادة خلال 2025 على الأقل، مع توقع زيادة الإنتاج في الدول غير الأعضاء في "أوبك بلاس" بنحو 1.9 مليون برميل يومياً في 2025، و1.6 مليون برميل يومياً في 2026، مدفوعة بزيادة الإنتاج في أربع دول من الأميركيتين.

واختتم حمّود بالتنبيه إلى أن انخفاض الأسعار ينعكس سلباً على الدول المنتجة التي تعتمد على إيرادات النفط في موازناتها، مما يؤثر في مسارات التنمية الاقتصادية لديها.

في ظل هذه المعطيات، سيظل سوق النفط خاضعاً لقوى متضادة بين العرض والطلب، وهو ما يفرض على الدول والشركات تبني سياسات مرنة واستراتيجيات قائمة على قراءة دقيقة للمتغيرات العالمية.


المصدر : وكالات