حين انتُخب عدد من النواب “التغييريين” في العاصمة بيروت وبقية المناطق عام 2022، ارتفعت الآمال. كانت الوعود كبيرة: مواجهة المنظومة، كسر الاصطفافات الطائفية، وبناء دولة عادلة تُحاسب الفاسدين وتحمي المواطنين. لكن بعد مرور أكثر من عامين، تتكشّف الخيبة: لا مشروع تغييري متماسك، ولا مواجهة جدية مع رأس الأزمة في لبنان، أي حزب الله.


في الواقع، لم يسيء أي طرف لبيروت وأهلها كما أساء حزب الله. من اجتياح 7 أيار 2008 الدموي، إلى تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020، إلى تغطية الفساد السياسي وتحطيم المؤسسات الدستورية، ظل الحزب طرفاً فوق المحاسبة… وبكل أسف، ساهم النواب التغييريون – عن قصد أو عن فشل – في إبقاء هذا الواقع على حاله.

تشتيت الجبهة المعارضة

كان دخول النواب التغييريين إلى البرلمان فرصة ذهبية لتوحيد القوى السيادية والمعارضة في وجه مشروع حزب الله. لكن ما حصل كان العكس تماماً: صراع داخلي على الزعامة، غياب التنسيق مع الكتل التقليدية المعارضة، وانقسام حاد حول الأولويات السياسية. النتيجة؟ تبعثر في الأصوات، تراجع في المبادرات، وشلل شبه تام في المواجهة البرلمانية للاستحقاقات الكبرى.

فشل في توحيد الموقف الرئاسي

أحد أبرز المظاهر لهذا الفشل تمثّل في الانتخابات الرئاسية. لم ينجح التغييريون في طرح مرشح سيادي موحّد في الوقت المناسب، بل انقسموا على أنفسهم بين أسماء وشعارات، ما منح حزب الله وقتاً ثميناً لتعطيل الاستحقاق وفرض الفراغ. وهكذا، ساهم التغييريون من حيث لا يدرون في ترسيخ معادلة “إما مرشحنا وإما لا رئيس”.

الخطاب الرمادي: سياسة الهروب إلى الوسط

جزء كبير من النواب التغييريين اختاروا التموضع في منطقة رمادية، رفضوا فيها توجيه انتقادات مباشرة لحزب الله، تحت ذرائع واهية مثل “السلم الأهلي” و”الخطاب المتوازن”. لكن في واقع الأمر، كان هذا التردد أشبه بتواطؤ صامت، فتح الباب أمام الحزب لتوسيع نفوذه من دون عوائق جدية.

أداء باهت وضعيف في البرلمان

تفتقر الكتلة التغييرية إلى الخبرة التشريعية والتنظيم السياسي. لم تتمكن من فرض أي أجندة إصلاحية متماسكة، ولا من تشكيل كتلة وازنة داخل البرلمان. كما لم تُقدِم على استخدام أدوات المساءلة المتاحة لها، لا في ملفات الأمن، ولا الاقتصاد، ولا القضاء. والنتيجة؟ بقاء حزب الله في موقع القوة، واستمرار النظام نفسه الذي خرج الناس ضده في 17 تشرين.

بيروت تستحق أكثر… لا أقل

لا يمكن بناء دولة فعلية إذا بقيت المواجهة مع حزب الله خجولة أو شكلية. لا معنى لأي مشروع تغييري لا يضع مسألة السلاح غير الشرعي في صلب أولوياته. ولا يمكن فصل التنمية عن السيادة، ولا الإصلاح عن تطبيق القانون على الجميع.

لقد فوّت النواب التغييريون حتى الآن فرصة تاريخية لتشكيل جبهة سيادية جديدة. لكن الفرصة لم تذهب بالكامل. المطلوب اليوم مراجعة شاملة، وتجديد في النهج، قبل أن تتحول هذه التجربة إلى مجرد ذكرى انتخابية… يستفيد منها حزب الله أكثر مما يستفيد منها الشعب.


المصدر : Transparency News