ديان سامر اللبان - طالبة ماجيستير وباحثة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية


منذ الاستقلال، لم يهدأ لبنان طويلًا. عاش على إيقاع أزمات تتكرر: حرب أهلية، اجتياحات، وصايات، فساد مقونن، وهجرة مزمنة لعقوله وشبابه. وفي كل مرة، كان اللبنانيون يراهنون على “الطائف” جديد، أو إصلاح مرتجى، أو استقرار هش. لكن ما حصل منذ العام 2019 ليس كباقي المحطات. هذه المرة، الانهيار شامل: اقتصادي، اجتماعي، مؤسساتي، وقيمي.

ومع كل ذلك، ما زالت الطبقة السياسية تمارس هوايتها المفضلة: الإنكار. مشغولة بمواقع النفوذ، بالمحاصصة، بالتعطيل الممنهج، بينما المجتمع ينزف. لم تبادر إلى أي مشروع إنقاذي، ولم تُبدِ أي اكتراث فعلي لمعاناة الناس.

وفي لحظة إعداد هذا النص، تتزامن هذه المشاهد مع استحقاق وطني يجري بصمت: الانتخابات البلدية. هذا الاستحقاق ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو مدخل حقيقي لإعادة بناء الثقة بالدولة، وهو استحقاق دستوري وإنمائي بامتياز، يُفترض أن يفتح نافذة فعلية لمقاربة القضايا المطروحة هنا. لأن القضايا المطروحة في هذا المقال — من البطالة إلى تراجع الزراعة، ومن فوضى الخدمات إلى انهيار الثقة — ليست سياسية الهوية، بل اجتماعية وإنمائية بعمق، والحلّ يبدأ من الحكم المحلي الفاعل.

لكن كيف نفهم هذا الانهيار؟ كيف نترجمه من أرقام وتقارير إلى مشاهد حقيقية؟ دراسة تطبيقية حديثة حول التنمية الاجتماعية سلّطت الضوء على خمس حالات واقعية، يمكن اعتبارها مرآة دقيقة لواقعنا، من دون الحاجة إلى نظريات:

 

  1. بطالة الشباب: ضياع الجيل وصناعة الانحراف. في أحد الأحياء الشعبية، تنتشر تجمعات شبابية هامشية. بطالة متفشّية، انعدام للفرص، وغياب أي دور للبلدية أو المؤسسات. تفشّت المخدرات، سادت ثقافة اليأس، وتحولت المنطقة إلى بقعة طاردة للحياة. الأسباب تعود إلى تراجع القطاعات الإنتاجية والخدمية بعد 2019، ضعف إنفاذ القانون، وانعدام المبادرات الاجتماعية. أما النتيجة فهي ارتفاع الجريمة، الانحراف، وهجرة الطاقات الشابة. وفي حال عدم المعالجة، نحن أمام جيل مهدد بأن يصبح خارج دائرة الفعل الوطني، ما يهدد السلم الأهلي والنمو الاقتصادي لاحقًا.
  2. غياب المجالس البلدية: خدمات تنهار وفوضى مجتمعية. في بلدة لبنانية، لم تُنتخب بلدية منذ أكثر من خمس سنوات بسبب الخلافات السياسية والطائفية. النتيجة: نفايات متراكمة، طرقات مهملة، تنظيم غائب، ونزاعات أهلية على خلفية النزوح السوري. المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في غياب السلطة. والمخاطر واضحة: مزيد من الفوضى، إقفال مؤسسات، وهروب العائلات القادرة، ما يؤدي إلى تآكل النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلدة.
  3. الانهيار المصرفي: ودائع محتجزة وثقة مدمّرة. المصارف اللبنانية، التي كانت في السابق عنوانًا للثقة، تحوّلت إلى بؤرة للأزمة. ودائع الناس حُجِزت، والقطاع بأكمله فقد وظيفته. الأسباب كثيرة: من التوظيف غير الرشيد للودائع، إلى استدانة الدولة من المصارف، إلى فشل مصرف لبنان في إدارة السياسة النقدية. النتائج كارثية: انكماش اقتصادي، بطالة، انقطاع التحويلات من الخارج، وفقدان الثقة. وإذا لم تتم المعالجة بإعادة هيكلة عادلة وشفافة، فسيبقى الاقتصاد مشلولًا، ويستمر تسونامي الفقر في التمدد.
  4. تراجع القطاع الزراعي: اختفاء الماشية وانهيار الأمن الغذائي. في منطقة ريفية، يعزف الجيل الجديد عن تربية الماشية بسبب الكلفة العالية، انخفاض الأرباح، وغياب أي حوافز. تراجع إنتاج الحليب، وتحوّل السكان إلى الاستيراد. الأخطر هو أن لبنان يخسر نمطًا إنتاجيًا تقليديًا، ويعرّض أمنه الغذائي للخطر، في وقت يعاني فيه العالم من اضطرابات سلاسل التوريد. المطلوب اليوم دعم الأعلاف، توفير الأدوية، وإعادة إدماج هذا القطاع في خطة التنمية المستدامة.
  5. المبادرات المحلية بديلاً عن الدولة. القاسم المشترك في كل ما سبق هو الغياب الكامل للدولة، وظهور مبادرات محلية أو مدنية في محاولة يائسة للترقيع. سواء عبر حملات تنظيف، تدريب مهني، أو التنسيق مع منظمات دولية، هناك إرادة محلية لا يمكن إنكارها. لكن هذه الإرادة، رغم أهميتها، تبقى محدودة الأثر في غياب رؤية وطنية، وإرادة سياسية حقيقية. لا يمكن تحميل المجتمع المحلي وحده عبء الإنقاذ، فذلك تكريس لانحلال الدولة.

ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تاريخية فارقة. والمشاهد الخمسة الواردة في هذا التحليل ليست استثناءات، بل هي “القاعدة” في لبنان اليوم.

إن واجبنا كمراقبين، وكمواطنين، أن نرفع الصوت: لا إصلاح من دون محاسبة، ولا قيامة من دون دولة. لن تنجح أي خطة إنقاذ إن بقي الفساد محصّنًا، وإن استمرّت المؤسسات غائبة أو مُعطّلة.

إما أن نواجه هذا الانهيار بشجاعة وعدالة، أو نستمرّ في الانحدار نحو ما تبقى من جمهورية فاشلة.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News