الشمال ينتخب... والسيادة تنتصر: قراءة في تحوّل الوعي السياسي
12-05-2025 08:22 PM GMT+03:00
لم تكن انتخابات البلديات لعام 2025 في محافظة الشمال مجرّد استحقاق محلي، بل شكّلت لحظة مفصلية على المستوى الوطني، كاشفةً عن تحوّلات عميقة في المزاج الشعبي، وانزياح واضح عن منطق الممانعة والوصاية، نحو منطق السيادة والمساءلة. في زمن تُختزل فيه السياسة بالمصالح والزبائنية، أعادت صناديق الاقتراع في الشمال ترسيخ السياسة كفعل حر ومسؤول، أساسه الإنسان المواطن، لا التابع.
في قضاء بشري، من المدينة إلى بلدة بقرقاشا وقرى الجبة كافة، جاءت نتائج القوات اللبنانية كترجمة حقيقية لهوية المنطقة التاريخية، المقاومة لكل أشكال التبعية. لم يكن الانتصار مجرّد فوز بلدي تقني، بل تعبيرًا عن وعي جماعي يرى في السيادة أساسًا للحرية السياسية والإدارة الرشيدة. فالقوات هنا لم تُنتخب فقط كحزب، بل كحامل لمشروع وطني جمهوري، ينبع من وجدان هذه الجبال ومقاومتها المزمنة لكل وصاية.
في شكا، جاء الفوز كصرخة شعبية في وجه اقتصاد الميليشيا والمصالح المشبوهة، وكأنه إعلان بأن الكرامة لا تُشترى، والسيادة لا تُجزَّأ.
وفي قضاء زغرتا، جاء فوز حركة الاستقلال الذي تحالف مع القوات اللبنانية كمؤشّر واضح على نهاية مرحلة وبداية أخرى: نهاية منطق الزعامة المتوارثة والتحالفات المبنية على النفوذ، وبداية خطاب سيادي جديد يراهن على وعي الناس وقدرتهم على المساءلة. هو انتصار لفكرة الاستقلال لا كعزلة، بل كتحرّر من المحاصصة إلى الفعل السياسي الحر.
في عكار، التي كانت لفترة طويلة تمثل منطقة هامشية في اللعبة السياسية الوطنية، أثبتت النتائج أن الوعي السيادي ليس محصورًا في مناطق محدودة. ففوز القوى السيادية في عكار، وخاصة في القرى الكبرى مثل القبيات و عندقت و شدرا، يعكس تغييرًا جذريًا في الواقع السياسي للمحافظة، التي لطالما كانت تحت تأثير القوى التقليدية. هنا، أظهرت الانتخابات أن الناس في هذه المناطق باتوا يرفضون منطق الولاءات الزبائنية والمنافع الانتخابية المؤقتة، ويتطلّعون إلى بناء دولة قوية عادلة. على الرغم من الفوضى السياسية التي مرّت بها المنطقة، إلا أن الحضور السيادي يبدو اليوم أكثر وضوحًا، خصوصًا في التحالفات الانتخابية بين القوى السيادية مثل القوات اللبنانية وحزب الكتائب.
في قضاءي الكورة والبترون، أثمر تحالف القوات اللبنانية مع حزب الكتائب نتائج مشجّعة و في تنورين التحالف القواتي مع مجد حرب ، تؤكّد أن إعادة تشكيل الحياة السياسية على أسس سيادية وشفافة ليست مستحيلة. التحالف هنا لم يكن ظرفيًا، بل مؤشّرًا إلى إمكانية بناء جبهة وطنية بديلة، تجمع بين قوى تؤمن بسيادة الدولة، وتحقيق اللامركزية، ورفض منطق "الدولة البديلة".
أما في بعض مناطق عكار، فقد برز حضور سيادي جديد، وإن بشكل جزئي، ينبئ بتحوّل تدريجي في الوعي السياسي، يعكس رغبة المواطنين في كسر دوائر التبعية، والانخراط في مشروع وطني أوسع.
ما كشفته بلديات 2025 في الشمال هو أنّ المعركة ليست فقط بين مرشحين، بل بين رؤيتين للبنان: رؤية ترى في السيادة شرطًا ضروريًا للعدالة الاجتماعية والتنمية، ورؤية أخرى تحتمي بخطابات المقاومة لتبرير الفشل والتسلّط.
من هذا المنظور، تُصبح الانتخابات البلدية لحظة فلسفية بامتياز، حيث يُعيد المواطن، لا النخبة، طرح السؤال السياسي الجوهري: من يحكم؟ ولأي غاية؟ لقد أجاب الشمال، بشريًا وزغرتاويًا وكورانيًا وبترونيًا، بأن السيادة ليست ترفًا بل شرط الوجود، وأن الديمقراطية لا تُختصر بالاقتراع، بل تتجسّد في الموقف الحر، في الخيار الأخلاقي، وفي التزام الإنسان بحقه في وطنه.
ليست هذه النتائج نهاية المعركة، بل بدايتها. لكن ما تغيّر فعليًا هو أن معركة السيادة باتت تُخاض من القاعدة، من البلديات، من الناس الذين قرروا أخيرًا أن يقولوا كلمتهم… وأن يسمعهم الجميع.








