بودوان عبد النور


لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على المجزرة التي ارتكبها نظام الجولاني بحق العلويين، والتي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1720 ضحية موثقة — والعدد الحقيقي مرجّح أن يكون أعلى بكثير — حتى فاجأنا الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفع العقوبات عن سوريا. حدث ذلك بينما كانت دماء الضحايا لا تزال طازجة في الأرض لم تجفّ بعد.

وبعد أيام قليلة فقط، لحقت ألمانيا بالركب، مقدّمة مساعدات سخية لنظام الجولاني بقيمة 100 مليون يورو، تزامنًا مع استقباله استقبال الأبطال في قصر الإليزيه حيث فُرش له السجاد الأحمر.

أين هم أولئك الذين ما انفكّوا يتحدثون عن "المظلومية السنية" ويصدّعون رؤوسنا لسنوات طويلة بعبارات عن استهداف أهل السنة والجماعة؟ أين الأصوات التي كانت تملأ الشاشات وتكتب المقالات؟ أين "البوّاية" و"التنواية"؟ صمتٌ مطبق، وكأن شيئًا لم يكن.

أين هو "البروفيسور، المفكر، الدكتور" زياد بريجنسكي نجيم، صاحب نظرية "التحالف اليهودي الشيعي" الذي قيل إنه وُلد في العصر البرونزي؟ أين "المفكّر الأستروفيزيائي الفذ" نبيلة خليفة؟ أين هؤلاء المنظّرين من الدرجة الثالثة؟ اختفوا ولم نعد نسمع لهم صوتًا.

بل يمكن القول إن نتنياهو ذاته قد يغار من متانة العلاقة الحالية بين الغرب وبين من يُفترض أنهم "أهل السنة والجماعة". وعندما كنّا نحذّر من أن ما يسمى بـ"التحالف الأميركي - الشيعي" هو محض خيال وهراء لا وجود له إلا في عقول بعض المفكرين، تعرّضنا للسخرية والتكذيب.

الحقيقة أن الولايات المتحدة لم تتحالف يومًا مع الشيعة، بل استخدمتهم كأدوات لتنفيذ مشروعها في الشرق الأوسط. كان الهدف واضحًا: تفتيت الدول العربية وإخضاعها. وبعد أن أدى الشيعة الدور المطلوب منهم، تم التخلّي عنهم ورميهم في سلّة مهملات التاريخ، تمامًا كما حدث مع العلويين في سوريا.

لقد جرى استثناء دول الخليج من هذا المخطط، لأنها كانت خطًا أحمر ومحميّة أميركيًا. فمُنِع الشيعة من الاقتراب منها أو العبث بأمنها. وبعد تخريب بقية الدول العربية، أصبح العالم العربي مهيّأً ومُعدًّا للدخول في مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، وهو المشروع الذي بدأت ملامحه تتشكّل منذ هبوط الخميني من طائرة "إير فرانس" في طهران.

كانت تلك بداية المرحلة الأولى من التحضير، والتي استمرّت من عام 1979 حتى هجمات 11 أيلول. ثم جاءت المرحلة الثانية مع سقوط النظام العراقي، الحاجز السني الأخير في وجه التمدد الشيعي، مما أطلق يد إيران لتخريب المشرق العربي. وقد امتدّت هذه المرحلة حتى عملية "طوفان الأقصى"، حيث دخلنا عندها في المرحلة الثالثة، والتي شهدت ضرب الهلال الشيعي وتفكيكه.

أما المرحلة الرابعة، فهي مرحلة "الاتفاقيات الإبراهيمية"، أي تثبيت شرق أوسط جديد متصالح مع إسرائيل، تسوده أنظمة عربية مستعدة للتطبيع والانخراط في النظام العالمي الجديد.

من كان يتخيّل أن نظامًا سوريًا متطرّفًا أصوليًا من خلفية "جبهة النصرة" يمكن أن يرسل مبعوثيه للقاء مسؤولين إسرائيليين، ويعلن استعداده ليس فقط للسلام، بل للتطبيع الكامل؟ هذا الانقلاب الأيديولوجي لم يكن ممكنًا لولا المراحل التمهيدية الثلاث التي سبقته.

إن ما يجري هو مشروع الدولة العميقة في أميركا، وليس مجرّد سياسات تتغير بتغيّر الإدارات. إنه مشروع ممتدّ منذ أكثر من نصف قرن، أُنجزت أدواره تباعًا، وكل إدارة لعبت دورها المطلوب. التصريحات كانت واضحة، من كوندوليزا رايس إلى جورج بوش الأب والابن: "الفوضى الخلّاقة"، "القيادة من الخلف"، "الشرق الأوسط الجديد"، و"النظام العالمي الجديد".

وهنا لا بد من التوقّف عند الجوهر الثقافي لهذا المشروع، إذ لم يعد الشرق الأوسط الجديد مجرد مشروع سياسي، بل تحوّل إلى مشروع ثقافي – أيديولوجي هدفه الأساسي هو إخراج الإسلام من الحياة السياسية تمهيدًا لدمج العالم العربي بالنظام العالمي الجديد، حيث لا مكان للدين كركيزة أساسية في تشكيل المجتمعات.

فالعالم العربي، على عكس بلدان مثل ماليزيا أو إندونيسيا، لا يزال الدين فيه مكوّنًا مركزيًا لا يمكن تجاوزه بسهولة، وهو ما يجعل دمجه في المنظومة العالمية مهمةً صعبة. ولذلك، كان لا بد من تغييرات عميقة تمهّد لهذه النقلة، وقد أُنجزت هذه التغييرات في المشرق العربي بـ"الحديد والنار"، بينما نشهد الآن نسختها الناعمة في السعودية عبر إصلاحات محمد بن سلمان.

والنتيجة؟ بالرغم من صعود الحركات الأصولية، هناك تزايد مضطرد لحالات ترك الدين، أو على الأقل، الإعراض عنه في العالم العربي. في إيران مثلًا، وبعد أكثر من أربعين عامًا من حكم الملالي، تشير الإحصائيات إلى أن 65% من الشعب لا يعتبر نفسه مسلمًا. أما في الدول العربية، فتتراوح النسب بين 25% و35% بحسب دراسات وإحصاءات متعددة. هذه أرقام مهولة خلال فترة قصيرة لا تتجاوز العقدين، ومن المتوقع أن تتضاعف في المستقبل.

وقبل أن يخرج أحدهم ليطلب مني الكفّ عن الحديث عن الإسلام ويركز على شخصية مثل "رندلى جبور"، أقول: أنا هنا أراقب وأحلّل، لا أهاجم أي دين. الإسلام، شاء البعض أم أبى، يشكّل جزءًا كبيرًا من حياتنا الثقافية والسياسية كمشرقيين، حتى لمن لم يعدوا مؤمنين به.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News