لا يمكن إنقاذ المصارف في لبنان من دون إنقاذ الثقة أولاً
18-05-2025 04:13 PM GMT+03:00
الأزمة المصرفية في لبنان لم تعد أزمة مالية فحسب. إنها أزمة إرادة سياسية، مسؤولية أخلاقية، وانهيار ثقة. ولن تنجح أي خطة إنقاذ، ولا أي حلّ تقني أو تجميلي، قبل الاعتراف بالحقيقة المرّة: الدولارات تبخّرت، والنظام الذي فرّط بها لم يكن صريحاً أبداً في كيف ولما حصل ذلك.
منذ أواخر عام 2019، حُرم اللبنانيون من الوصول إلى ودائعهم. أموال الأفراد والمؤسسات التي أودِعت بالعملات الصعبة جرى توظيفها من قبل المصارف التجارية في استثمارات داخل مصرف لبنان، أو في سندات يوروبوندز حكومية. لم تكن هذه مجرد استثمارات عالية المخاطر، بل كانت شراكة كاملة في تمويل نمط سياسي اقتصادي قائم على وهم الاستقرار.
لأعوام طويلة، جذبت المصارف اللبنانية الودائع بأسعار فائدة مغرية. لكن بدلاً من استخدامها في تمويل الاقتصاد الحقيقي، أُعيد تدويرها داخل مصرف لبنان، لذي وظّفها لتمويل العجز، دعم الليرة، ودفع فوائد الديون. كانت هذه الآلية شبيهة بنظام "بونزي"؛ تعتمد على تدفّق مستمر للتمويل الخارجي.
ومع توقّف التدفقات في 2019، انهار كل شيء. لكن الأزمة لم تُقدَّم للرأي العام كأزمة سيولة، بل كأزمة "رأسمال". وهذا كان تضليلاً مقصوداً. فاعتبارها أزمة في رأس المال سمح للمصارف بتجنّب إعلان الإفلاس، ووفّر الغطاء السياسي لمصرف لبنان، ومنح أهل السلطة الوقت للهروب إلى الأمام.
والنتيجة كانت كارثية:
لم يُقال للناس الحقيقة.
المشاريع والأعمال الصغيرة فقدت السيولة.
الأهل عجزوا عن تسديد أقساط الجامعات أو مصاريف الاستشفاء.
الإصلاحات الموعودة تأخرت.
المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي تلقت أرقاماً غير واقعية.
اليوم، معظم المصارف اللبنانية تملك قيمة صافية سلبية لموجوداتها. والنظام المالي بات قشرة فارغة. لكن الأخطر من الإفلاس المالي هو الإفلاس المؤسسي وفقدان الثقة. والمطلوب الآن ليس مجرد ضخ رساميل، بل إعادة بناء الثقة؛ أغلى عملة في لبنان اليوم.
من أين نبدأ؟
إذا أراد لبنان جدياً الخروج من أزمته، عليه إتخاذ ثلاث خطوات فورية، صادقة، وتحت إشراف دولي:
أولاً: قول الحقيقة
يجب على الحكومة ومصرف لبنان إصدار بيان مشترك يعترف صراحة بأن المصارف مفلسة، وأن الأزمة أزمة سيولة وليست أزمة رأسمال. الشفافية ليست ترفاً. إنها الشرط الأول لاستعادة الثقة.
ثانياً: إقرار قانون عصري لإعادة هيكلة المصارف
حماية كاملة للودائع الصغيرة.
تحديد واضح لترتيب تحمّل الخسائر: المساهمون أولاً، ثم الدائنون الثانويون، وأخيراً كبار المودعين.
إنشاء هيئة مستقلّة لإعادة الهيكلة، محصّنة من التدخل السياسي.
هذا القانون يجب أن يكون أداة مساءلة، لا مجرد هيكل قانوني.
ثالثاً: آلية عادلة لكبار المودعين
لا يمكن تعويضهم بالكامل، لكن لا يجوز محو حقوقهم بصمت. الحل المنصف يتضمّن:
تحويل جزء من الودائع إلى حصص ملكية في المصارف المعاد هيكلتها
إصدار سندات استرداد طويلة الأجل، مدعومة بإيرادات الدولة المستقبلية (غاز، خصخصة، أرباح القطاع المصرفي)
أدوات مالية هجينة (مثلاً: أسهم مع أرباح مشروطة بالأداء) لكن هذه الإصلاحات لن تنجح من دون إشراف دولي
لبنان أثبت في أكثر من مناسبة أنه غير قادر على تنفيذ إصلاحات جذرية من تلقاء نفسه. لذلك، الإشراف الدولي ضروري:
تقييم الأصول يجب أن يتم عبر مراجعين دوليين مستقلين تصنيف المصارف يجب أن يخضع لمعايير صندوق النقد أي خطة استرداد للودائع يجب أن تكون شفافة ومُراقبة خارجياًز.
وفوق ذلك، لا بد من محاسبة من ارتكب المخالفات: تحويلات مشبوهة، قروض داخلية، فساد رقابي. لا عدالة من دون محاسبة، ولا إصلاح من دون عدالة.
لبنان لا يفتقر إلى القوانين، بل إلى الثقة في تطبيقها. لدينا تاريخ طويل من الالتفاف على الإصلاحات، واستخدام التشريعات كواجهة لتكريس الواقع لا تغييره. في غياب رقابة خارجية نزيهة وشفافة، ستتحوّل عملية إعادة الهيكلة إلى مسرحية جديدة تُعيد إنتاج نفس القوى، بنفس الأدوات، مع وعود بلا تنفيذ.
الإشراف الدولي، من جهات مثل صندوق النقد الدولي أززو الاتحاد الأوروبي، ليس انتقاصاً من السيادة، بل ضمانة للشفافية والمساءلة. وجود طرف خارجي محايد هو ما يعطي المودعين، والمجتمع الدولي، وحتى الكفاءات المحلية، الثقة بأن ما يُقال يُنفّذ، وأن لا أحد فوق القانون.
هذه لحظة مفصلية في تاريخ لبنان البلد لا يحتاج إلى خدع مالية. يحتاج إلى فكّ الارتباط مع الماضي الفاسد، وبناء نظام جديد يُعيد للمودعين حقوقهم، وللمصارف وظيفتها، وللمواطن ثقته.
كل يوم تأخير يزيد الغضب الشعبي، يُعمّق الدولرة، ويُفرّغ الدولة من معناها. لم يعد بالإمكان الاختباء خلف تقارير تقنية أو شعارات الإصلاح الوهمية.
إعادة هيكلة القطاع المصرفي ليست شأناً مالياً فقط. إنها معركة من أجل الكرامة، والعدالة، والبقاء.
إن أراد لبنان أن يقوم من تحت الركام، فعليه أن يبني على أساس جديد. العملة الأولى التي نحتاجها اليوم ليست الدولار.
إنها الثقة.
المصدر : Transparency News








