رفع العقوبات عن سوريا... فرصة اقتصادية أم فخ نقدي للبنان؟
20-05-2025 02:41 PM GMT+03:00
يشهد المزاج الإقليمي والدولي تبدلاً لافتاً تجاه سوريا، تُرجم مؤخراً بتسريبات وتلميحات عن نية تخفيف العقوبات المفروضة عليها، أو إعادة النظر بها تحت مظلّة إنسانية. هذا في عموميات المشهد السوري والذي فجأةً تبدل مع إتخاذ الرئيس الأميركي ترامب قرار برفع العقوبات عن سوريا خلال زيارته الأخيرة للمنطقة.
من المؤكد أن هذه الخطوة توضع في إطار الإنفراجات التي يسعى الرئيس الشرع للحصول عليها من دول القرار مثل أمريكا والدول الأوروبية، وبانتظار ترجمتها على أرض الواقع - إنفتاح مؤسسات القطاع الخاص والمصارف المراسلة على الداخل السوري.
غير أن رفع العقوبات لا يجب أن يُقرأ فقط في سياقه السوري، بل أيضاً كعامل ضاغط ومؤثر في عمق المشهد النقدي والاقتصادي اللبناني.
منذ بداية الحرب في سوريا، شكّل لبنان المنفذ الاقتصادي والنقدي الأساسي لجاره المقيّد بالعقوبات. لكن هذا الانفتاح غير المنظّم حوّل لبنان إلى ساحة تهريب، واستنزاف موارده من المحروقات، القمح، والأدوية. رفع القيود اليوم، إذا لم يُقابل بسياسات لبنانية واضحة، قد يعمّق الفوضى بدل أن يفتح باب الفرص.
الارتدادات النقدية... ما وراء الواجهة الإنسانية
رفع العقوبات قد يُنعش الليرة السورية اسمياً، بفعل تحسّن التوقعات وتزايد التحويلات، لكنه لن يُصلح الخلل العميق في بنية السياسة النقدية بدمشق. أما في لبنان، فالأمر أكثر تعقيداً: ازدياد الطلب على الدولار لتمويل التجارة مع سوريا سيزيد الضغط على السوق الموازية، ويهدد استقرار سعر الصرف الهش أصلاً.
أضف إلى ذلك أن تدفّق الليرة السورية إلى الأسواق الحدودية اللبنانية، في ظل غياب أي سياسة نقدية منسّقة، سيزيد من تعقيد إدارة الكتلة النقدية في الداخل اللبناني، ويجعل من "الحدود" مساحة رمادية يصعب التحكم بتداعياتها.
رفع العقوبات عن سوريا يحمل تأثيرات مزدوجة على الاقتصادين اللبناني والسوري. في سوريا، قد نشهد تحسناً محدوداً في سعر الصرف إذا ما ترافق ذلك مع إصلاحات داخلية. أما في لبنان، فالأثر يعتمد على قدرة السلطات على تنظيم العلاقة النقدية والاقتصادية مع الجار السوري، بين ضبط الأسواق ومنع النزف النقدي، واستغلال الفرصة لتعزيز صادراته وتنشيط اقتصاده المتعثر.
الاقتصاد السياسي... ربح خادع أم فرصة شراكة؟
يتحدث كثيرون عن فرص محتملة للبنان في ورشة إعادة إعمار سوريا: مرفأ طرابلس، شركات المقاولات، تدفقات عبر المصارف، مشاريع ربط كهربائي وخط الغاز العربي... كلّها مغرية نظرياً، لكنها تصطدم بثلاثة عوائق:
غياب الحوكمة الرشيدة في إدارة العلاقة اللبنانية–السورية.
المخاطر السياسية المتصلة برمادية المشهد السياسي وعدم الاستقرار الأمني في عدد من المناطق في الداخل السوري.
رفعت العقوبات المالية عن سوريا الدافع وراء هذا القرار هو سياسي بإمتياز، ولكن قد يبقى هذا القرار حبراً على ورق على المدى البعيد بإنتظار الوضوح السياسي والإستقرار الأمني. لذلك يبقى الأخطر من كل ما سبق أن لبنان اليوم مُدرج على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، ما يحدّ من قدرته على استقبال تحويلات شرعية، أو لعب دور مالي محوري في أي انفتاح اقتصادي سوري مرتقب. فوجود لبنان ضمن هذه القائمة يُعرقل جهوده لجذب الاستثمارات، ويُثير مخاوف جدّية من تحوّله إلى منصة خلفية للالتفاف على العقوبات.
أي نشاط غير مضبوط مع سوريا، سواء في القطاع المصرفي أو التجاري، قد يُفسَّر دولياً كمسار تحايلي، مما يعرّض لبنان لخطر التهميش المالي، أو حتى التصعيد نحو لائحة أكثر تشدداً.
الفرصة الأخيرة: سياسة أو لا سياسة
رفع العقوبات عن سوريا قد يكون فرصة تاريخية للبنان للخروج من موقع الضحية إلى موقع الفاعل، لكن بشرط: أن يتخلى عن عقلية الارتجال، ويبني استراتيجية واضحة لإدارة العلاقة مع سوريا، قاعدتها:
حماية الأسواق المحلية من التهريب المنظم.
مراقبة حركة الرساميل والمعابر النقدية.
إعادة تعريف الأدوار بين السلطات النقدية اللبنانية والسورية.
صياغة خطة لبنانية لمواكبة إعادة الإعمار بشفافية كاملة.
والأهم: العمل بجدية على إخراج لبنان من اللائحة الرمادية، عبر إصلاحات مؤسساتية وتشريعية تعيد الاعتبار للحوكمة والمحاسبة.
لكن كل هذه الاشتراطات ستبقى حبرًا على ورق، ما لم يخرج القرار الاقتصادي من قبضة الحسابات السياسية الضيقة.
فالخطر الحقيقي ليس في رفع العقوبات عن سوريا، بل في استمرار الفشل السياسي في لبنان الذي يُحوّل كل فرصة إلى فخ، ويُعيد إنتاج الحلقة نفسها: تفويت الفرص، تهديد الاستقرار النقدي، وهدر ما تبقى من الثقة.
لبنان لا يحتاج فقط إلى سياسة تجاه سوريا، بل إلى سياسة تجاه نفسه أولاً.
المصدر : Transparency News








