وليد الخطيب


في كتابه باريس التي عشت، الحائز جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، فرع "الرحلة المعاصرة" 2025، يكتب الكاتب الفرنكفوني عيسى مخلوف عن باريس ليس باعتبارها مدينة، بل عن باريس باعتبارها مساحة منفى ومسكن لغة وملجأ وجدان. فالمدينة هنا ليست مشهدًا خارجيًّا، بل صدًى داخليّ لتجربة تمتد من بيروت إلى باريس، بين الضياع والتجذّر، بين العبور والخلود... والكتاب - وإن حمل طابع المذكِّرات الشخصية - ينتمي إلى جنس الكتابة المفتوحة: بين الشهادة الأدبية والتأمل الفلسفي والنص الشعري.

يكتب مخلوف بأسلوبه السلس المنسوج من حرير المعنى في تطريز المبنى، حيث الجملة ليست مجرد ناقل معلومة، بل معبَرٌ لرؤية؛ يستدعي عبرها الأمكنة، الوجوه، الكتب والأزمنة، ليصوغ منها لوحة فسيفسائية عن باريس غير المألوفة؛ باريس المقاهي الصغيرة، جلسات القراءة وعزلات الكتّاب. إنه لا يعيد إنتاج صورة العاصمة الفرنسية رمزًا للحداثة والثقافة فحسب، بل يتقصّد أن يفتح جرح الاغتراب على سكينة النصّ الذي يبوح فيه بمعاناة الروح: 

"باريس مدينة تعلّمت فيها الصمت، لا الصخب. فيها لم أنم جائعًا، لكنني نمت كثيرًا على جوع المعنى."

"نحن الذين جئنا من حروب، نكتب كأننا نعتذر عن بقائنا أحياء."

    في هذا الكتاب، لا حضور طاغٍ للسياسة ولا للوقائع الكبرى، بل للأشياء البسيطة والهامشية التي تُشكّل مجرى الحياة الخفي. الزمن ليس متسلسلًا بل متشظيًّا، والذاكرة ليست تتابعًا بقدر ما هي اختيار شعري لما يستحق أن يُستعاد. هكذا، يكون الكتاب أقرب إلى سيرة ذاتية وجدانية لشاعرٍ تائه بين لغتين وثقافتين، بين بيتين لا يكتملان.

    لكن في طيّات هذه العذوبة اللغوية، يمكن رصد نزعة نوستالجية لا تخلو من مهادنة لأسطورة باريس الثقافية، أو تغاضٍ عن وجهها العنصري ووجهها السياسي. فمخلوف، إذ يكتب باريس التي عاشها، لا يلتفت كثيرًا إلى باريس التي عاشها الآخرون في الهامش أو في المنفى القسري، ما قد يُفسَّر باعتباره خيارًا جماليًّا واعيًا، أو نوعًا من الانتقاء العاطفي المتعمَّد.

    يُحسب للكتاب قدرته على دمج الخاص بالكوني، والذاتي بالجمالي، من دون أن يجعل القارئ يفقد بوصلته. فبين فقرة وأخرى، يتسلّل إحساس نادر بـأن الكتابة ملاذٌ، وأن المنفى - رغم قسوته - يُنبت أحيانًا لغةً أكثر صفاءً من الوطن نفسه.

   باريس التي عشت ليست باريس السياح، ولا باريس السياسيين، بل باريس الكتّاب المنفيين الذين وجدوا في المدينة ما يشبههم: هشاشة الجمال، تراكم المعنى وحنين لا يخبو.


المصدر : Transparency News