التحول الرقمي وتمكين المرأة في البلدات اللبنانية الصغيرة: شراكة من أجل كرامة منتجة وتنمية عادلة
22-05-2025 04:19 PM GMT+03:00
في لبنان، تختزل الدولة مفهوم التنمية في المدن الكبرى، فيما تُترك البلدات الصغيرة – في الجنوب، الشمال، البقاع، وسائر الأطراف – فريسة الإهمال والعزلة، وتُعامل كمناطق فائضة عن الحاجة. في هذه المساحات المنسيّة، تواجه المرأة تحديات مضاعفة. فهي لا تعاني فقط من ضعف الفرص والبنية التحتية، بل تعيش تهميشاً مركباً: كونها امرأة، وكونها تنتمي إلى مجتمع يُعتبر خارج المعادلة التنموية الرسمية.
لكن التنمية الحقيقية لم تعد تُقاس فقط بمؤشرات اقتصادية رقمية، بل تُقاس بمدى العدالة في توزيع الفرص، وبقدرة الأفراد – رجالاً ونساءً – على المشاركة في صياغة مستقبلهم. ومن هذا المنطلق، فإن تمكين المرأة في البلدات الصغيرة لم يعد مطلباً نسوياً أو خطاباً نخبوياً، بل تحوّل إلى ضرورة استراتيجية لإطلاق تنمية اجتماعية-اقتصادية شاملة.
في العقود الأخيرة، شكّل التحول الرقمي ثورة عالمية. الإنترنت، الهواتف الذكية، التجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، جميعها باتت عناصر أساسية في بناء اقتصاد جديد، يعتمد على المعرفة لا على الموقع الجغرافي. في هذا السياق، الرقمنة ليست ترفاً، بل أداة تحرر للمرأة حتى في البيئات الهامشية. فالمهارات الرقمية قادرة على كسر العزلة، وربط المرأة الريفية بالأسواق، بالمعرفة، وبشبكات التأثير.
ولعل الأهم من ذلك أن التحول الرقمي يمنح المرأة أدوات إنتاج مستقلة، تُخرجها من دائرة الاتكال إلى فضاء الفعل. فامرأة تمتلك هاتفاً ذكياً ومهارات استخدامه يمكن أن تُسوّق الحرف اليدوية التي تصنعها، أو تطلق مشروعاً منزلياً صغيراً، أو حتى تقدّم خدمات تعليمية أو استشارية عبر الإنترنت. ويمكنها أن تتعلم عن بعد، أن تدير شؤونها المالية، وأن ترفع صوتها في قضايا تخص مجتمعها.
ورغم كل هذه الإمكانات، لا تزال النساء في البلدات الصغيرة محرومات من هذه الفرصة. الفجوة الرقمية في لبنان ليست مجرد فجوة تقنية، بل فجوة اجتماعية متجذرة. فهي نتيجة تراكمات من الإهمال الرسمي، وغياب الاستثمار في البنية الرقمية، وضعف البرامج التدريبية، وسلطة الذهنية الأبوية التي تحاصر النساء داخل أدوار تقليدية لا تعترف بحقهن في المبادرة والقيادة.
ورغم بعض المبادرات المشكورة من قبل منظمات دولية ومحلية، مثل برنامج UNDP (برنامج LOST)، إلا أن هذه الجهود تبقى محدودة الأثر ما لم تُدمج في سياسة وطنية واضحة، قائمة على الشراكة الثلاثية بين القطاع العام، البلديات، والمنظمات غير الحكومية (PPP).
هذه الشراكة ليست رفاهية، بل ركيزة لأي مشروع تنموي جاد. فهي تسمح بتكييف المبادرات مع خصوصية كل بلدة، وتُفعّل القدرات المحلية، وتضمن استمرارية الأثر. فبدلاً من فرض نماذج جاهزة، تقوم هذه الشراكة على مبدأ "من القاعدة إلى القمة"، حيث تُصاغ الحلول انطلاقاً من احتياجات المجتمع نفسه، بمشاركة النساء لا نيابة عنهن.
وعملياً، يمكن لهذه الشراكة أن تتحقق من خلال إنشاء مراكز رقمية محلية في كل بلدة، تقدّم تدريبات على استخدام التكنولوجيا في الإنتاج والتسويق والإدارة. كما يمكن توفير برامج تمويل صغيرة مخصصة للنساء الريفيات الراغبات في إطلاق مشاريع مدرّة للدخل. ومن المهم أيضاً بناء منصات تسويق رقمية جماعية للمنتجات المحلية، تُدار بشفافية وتُربط بالأسواق المحلية والدولية.
ولا يقل أهمية عن ذلك تحفيز القطاع الخاص على الانخراط في هذا التحول، من خلال احتضان المشاريع الناشئة، ورعاية المبادرات المبتكرة، وتقديم حوافز للشركات التي تستثمر في الريف وتُعزز الإدماج الرقمي للمرأة.
إننا لا نتحدث هنا عن مجرد حقوق فردية، بل عن إعادة صياغة دور الريف في الاقتصاد الوطني. فالمرأة الريفية ليست هامشاً، بل قوة عاملة غير مستثمرة، يمكن أن تشكّل فرقاً حقيقياً إذا ما تم تمكينها بالمعرفة والأدوات اللازمة. ومن دون إدماج النساء في هذه البلدات في الاقتصاد الرقمي، فإن الحديث عن التنمية سيبقى حبراً على ورق، وخطاباً فارغاً.
المرأة الريفية في لبنان لا تحتاج إلى شفقة، بل إلى شراكة. شراكة تعترف بدورها، تحترم خصوصيتها، وتؤمن بقدرتها على أن تكون رافعة للتنمية، لا عبئاً على الاقتصاد.
فهل نملك الإرادة لنمنحها هذه الشراكة؟ وهل تملك الدولة الجرأة على الاعتراف بأن إنقاذ لبنان يبدأ من حيث أهملته طويلاً: من البلدات الصغيرة، ومن نسائها الصامتات؟
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )
المصدر : Transparency News








