بعد مرور أكثر من عقد على ضغط الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما على مؤسس "أبل" الراحل ستيف جوبز لنقل تصنيع هواتف "آيفون" إلى داخل الولايات المتحدة، يعيد دونالد ترامب، الرئيس الأميركي الحالي، طرح السؤال ذاته على المدير التنفيذي الحالي للشركة تيم كوك، ولكن هذه المرة في ظل رهان سياسي واقتصادي أعلى، ومع تهديدات مباشرة بفرض رسوم جمركية صارمة.


ففي منشور على منصة "تروث سوشيال"، أكد ترمب أنه أبلغ كوك سابقاً بتوقعه أن تُصنّع هواتف "آيفون" المخصصة للسوق الأميركية داخل البلاد، لا في الهند أو غيرها، ملوحاً بفرض رسوم جمركية بنسبة لا تقل عن 25% على الهواتف المستوردة إن لم يُنفذ هذا التوجه.

ويأتي هذا الضغط في إطار حملة ترامب المستمرة لتعزيز التصنيع المحلي، والتي تعهد خلالها بفرض تعريفات جمركية على معظم المنتجات المصنوعة في الخارج، ضمن خطة تهدف إلى إعادة الوظائف الصناعية إلى الداخل الأميركي وتصحيح ما يعتبره ممارسات تجارية غير عادلة.

لكن نقل إنتاج "آيفون" إلى الولايات المتحدة يطرح تحديات جسيمة، كما يقول الخبراء الذين تحدثوا إلى شبكة "سي إن إن". فتصنيع الهاتف الذكي الأكثر شهرة في العالم لا يعتمد فقط على التجميع، بل على شبكة عالمية معقدة من سلاسل التوريد، ومهارات بشرية دقيقة، وبنية تحتية صناعية ضخمة، يصعب تكرارها بسهولة داخل الولايات المتحدة.

تكلفة وتحديات لا يمكن تجاهلها

بحسب محللين، فإن نقل عمليات إنتاج "آيفون" إلى الداخل الأميركي قد يضاعف سعر الجهاز ثلاث مرات. إذ تعتمد "أبل" في تجميع أجهزتها على شركاء مثل "فوكسكون"، التي توظف مئات الآلاف من العمال الموسميين في مصانع متخصصة بالصين، حيث تتوفر المهارات التقنية والمرونة الإنتاجية بمستويات يصعب تحقيقها محلياً.

وأشار ديبانجان تشاترجي، نائب رئيس شركة "Forrester"، إلى أن "هذا ببساطة غير مجدٍ من الناحية العملية"، موضحاً أن بنية الإنتاج في الصين والهند قائمة على تخصص عالٍ يصعب استنساخه في بيئة تختلف من حيث التكاليف والعمالة.

كما أن نسبة العاملين في قطاع التصنيع بالولايات المتحدة انخفضت إلى نحو 8% فقط من القوى العاملة، مقارنة بـ26% عام 1970، ما يطرح تساؤلات عن الطلب الحقيقي على وظائف المصانع، بالإضافة إلى المهارات المطلوبة، والتي باتت اليوم تتطلب معرفة بالبرمجة وتحليل البيانات، حسب ما أشارت إليه كارولين لي، المديرة التنفيذية لمعهد التصنيع.

"أبل": خطوات مترددة نحو الداخل الأميركي

رغم ذلك، لم تقف "أبل" مكتوفة الأيدي، إذ أعلنت في فبراير الماضي عن خطة لاستثمار 500 مليار دولار في الولايات المتحدة خلال أربع سنوات، تشمل مشاريع في البحث والتطوير، ومنشآت لتصنيع الخوادم، وأكاديمية لتعليم تقنيات التصنيع الذكي والذكاء الاصطناعي في ديترويت. غير أن هذه المشاريع لا تشمل نقل إنتاج "آيفون" بالكامل.

ويعترف كوك بصعوبة المهمة، وسبق له أن قال في لقاء مع مجلة "فورتشن" عام 2017 إن بيئة التصنيع في الصين تمثل تقاطعاً فريداً بين المهارات الحرفية والروبوتات المتطورة والخبرات التقنية، وهو ما وصفه بأنه "نادر الوجود" في أماكن أخرى.

لكن باتريك مورهيد، المحلل التقني والرئيس التنفيذي لشركة "Moor Insights & Strategy"، يرى أن هناك فرصة واقعية لنقل بعض إنتاج "آيفون" إلى الولايات المتحدة خلال خمس سنوات، بشرط تعديل تصميم الهاتف وزيادة الأتمتة لسد فجوة المهارات مقارنة بالصين والهند.

معضلة استراتيجية

تبقى "أبل" عالقة بين مطرقة السياسة الأميركية وسندان واقع التصنيع العالمي. فبينما يُنتظر منها الانصياع لضغوط واشنطن، فإن التحول الجذري نحو الإنتاج المحلي يحمل في طياته تكاليف مرتفعة وتأثيرات جوهرية على سلسلة التوريد.

ويقول المحلل دان آيفز من "Wedbush Securities" إن 90% من إنتاج "آيفون" كان يتم في الصين، لكنه انخفض إلى 40% بعد نقل أجزاء منه إلى الهند، وهو تحول تدريجي قد يستمر مع تصاعد الضغوط الجيوسياسية.

ومع ترامب الذي يرى في الاستثمارات الأميركية انتصاراً سياسياً، ومع شركة كبرى مثل "أبل" تسعى للحفاظ على مرونتها وسلاسلها العالمية، يبدو أن كلا الطرفين يسير على "حبل مشدود"، حيث لا يمكن قول "لا"، ولا يمكن قول "نعم" كاملة، في انتظار توازن جديد بين المصالح الاقتصادية والسياسات الوطنية.


المصدر : وكالات