محمد فحيلي - باحث لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB)


إنّ ما يشهده لبنان اليوم وشهد في السنوات الماضية لا يمكن اختزاله بأزمة اقتصادية. إنه انهيار شامل لكيان سياسي ومجتمعي كان هشاً منذ البداية، لكنه احترف تزييف الاستقرار. ومع سقوط الدولة، تنهض الطائفية من تحت الأنقاض، أقوى من ذي قبل، تُقدّم نفسها من جديد كملجأ أخير.

لم تكن الطائفية في لبنان صدفة، بل استراتيجية سلطة. الأحزاب الطائفية لم تكتفِ بتمثيل جماعاتها، بل أنشأت أنظمة رعاية بديلة للدولة: مدارس، مستشفيات، وظائف، خدمات، وكل ذلك مقابل الولاء. الدولة جُرّدت من وظائفها، وأُعيد توزيعها على زعماء الطوائف.

ثم جاء القطاع المصرفي ليُلبّي احتياجات هذا النموذج. جرى استقطاب ودائع المغتربين بفوائد مرتفعة، استُخدمت لشراء الدين العام، فارتفعت المديونية، وازدهر وهم "الاستقرار المالي". لكن مع تراجع التدفقات المالية، انهارت اللعبة. وإذ بالقطاع المصرفي يتحوّل إلى سجن للمودعين، بينما يهرب الكبار بأموالهم.

في خضم أزمة كورونا، وعوض أن تستعيد الدولة دورها، ظهرت الأحزاب الطائفية على المسرح. وزّعت مساعدات، نصبت الحواجز، استعرضت النفوذ. الطائفية لم تختفِ، بل ارتدت قناع "الرحمة"، واستعادت السيطرة على جمهورها.

حتى انتفاضة تشرين التي كسرت الحواجز الطائفية، سُرعان ما أُجهضت بآليات التخوين والتقسيم. العودة إلى الهويات الضيقة كانت أسرع من بناء مشروع وطني جامع.

الخلل في النموذج الاقتصادي لا يقل خطورة. فقد فُضّلت الاستثمارات العقارية والمضاربات على الإنتاج. المصارف مرتبطة بالسياسيين، والمال العام يُدار بمنطق الغنيمة. وكل محاولة إصلاح، من الكهرباء إلى مكافحة التهريب، تصطدم بجدار المحاصصة.

الآن، تُطرح حلول من قبيل الخصخصة، أو الهيركات، أو إعادة هيكلة الدين. لكن أي حل من داخل النظام يبدو مستحيلاً. فكيف يمكن لمن يملك المصارف ويُشرف على السياسات المالية أن يُحاسب نفسه؟

لبنان بحاجة إلى إعادة تأسيس، لا إلى "تجميل" أزماته. بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، يعيد الاعتبار للحق، للمساواة، وللدولة كمؤسسة للجميع لا أداة في يد البعض.

ورغم كل شيء، ما زالت هناك شرارة أمل. جيل جديد، غاضب ومثقف، لا يريد أن يرث الفشل. هذا الجيل هو الأمل الأخير في نهوض لبنان من رماده.

إن أردنا وطن، إن حقاً نريد وطن، فيجب أن نسلم لبنان إلى شبابنا وشاباتنا.

 (هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News