زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إلى العراق اكتسبت بعدًا رمزيًا واستراتيجيًا، في ظلّ تحولات المنطقة ومحاولة إعادة رسم التوازنات الطائفية والسياسية. اللقاء التاريخي مع البطريرك الكلداني ساكو أعاد تسليط الضوء على دور لبنان المشرقي الداعم للوجود المسيحي، في لحظة تشهد تصدعًا في بنية الأقليات وتحديات أمام صمودها في بلدانها.


أعطت زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إلى العراق، ضمن جولاته العربية والإقليمية، بعدًا استثنائيًا في توقيتها ومضمونها، في ظل التحولات العميقة التي تعصف بالمنطقة. فبيروت التي كانت تُعدّ واحدة من العواصم الأربع الخاضعة لنفوذ الحرس الثوري الإيراني، تشهد اليوم تحرّرًا تدريجيًا من مفهوم "وحدة الساحات" والحدود المفتوحة أمام الميليشيات، وتسير في اتجاه بناء علاقات دولية تنطلق من سيادة الدولة ومصالحها الوطنية.

وقد شكّل لقاء عون مع بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاردينال لويس روفائيل ساكو في بغداد محطة مفصلية، ليس فقط لأنه اللقاء الأول من نوعه لرئيس لبناني داخل البطريركية الكلدانية، بل لأن ساكو يُعد رمزًا سياديًا ومسيحيًا في العراق، ناضل من أجل الدولة، ومواجهة الفساد، والحفاظ على الوجود المسيحي في المشرق.

مصدر كنسي وصف البطريرك ساكو بـ"صفير العراقي"، في إشارة إلى أوجه الشبه بينه وبين البطريرك الماروني نصرالله صفير، الذي واجه هو الآخر حملات شعواء من داخل طائفته بسبب مواقفه الاستقلالية. فقد اضطر ساكو عام 2023 إلى مغادرة مقر البطريركية في بغداد إلى دير في إقليم كردستان، نتيجة سحب المرسوم الجمهوري الذي منحه صفة البطريرك، وصدور أمر قضائي باستقدامه إلى المحكمة بناءً على دعاوى من زعيم ميليشيا "بابليون" المسيحية، المدعومة من "الحشد الشعبي" الموالي لإيران. وكان ساكو قد صرّح آنذاك بأن هذه الميليشيا لا تمثّل المسيحيين، وأن زعيمها يحاول التسلط عليهم سياسيًا وماليًا.

من مقر البطريركية، حرص عون على إعادة ترسيخ صورة الرئيس اللبناني المشرقي، الذي يشكّل مرجعية معنوية وسياسية لمسيحيي الشرق، ويحضّهم على الانخراط في أوطانهم من خلال الدولة، لا عبر "حلف الأقليات" أو الذوبان في مشاريع كبرى تُنهي التعدّدية. وقد انعكست هذه الرسالة إيجابًا على المسيحيين العراقيين، بحسب رئيس الطائفة الكلدانية في لبنان المطران ميشال قصارجي، الذي أكد أن اللقاء عزز العلاقات التاريخية بين لبنان والعراق، وأن رؤيتي الرئيس عون والبطريرك ساكو تتلاقيان عند ضرورة قيام دولة القانون والمؤسسات، ومكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة.

وفي السياق ذاته، رأى أستاذ الفلسفة السياسية الأب باسم الراعي، الذي كان له حضور روحي وإنساني بارز في العراق إبّان اجتياح "داعش"، أن حفظ الوجود المسيحي في الشرق لا يتحقّق إلا بأنظمة تعددية تحترم الخصوصيات وتعزز انتماء المسيحيين لأوطانهم ومشاركتهم في الحياة العامة.

واستعاد الراعي مشهدًا مؤثرًا من زيارته إلى العراق عام 2013، بعد تهجير مسيحيي نينوى والموصل، حيث كان الإحباط سيد الموقف، والكثير من الكهنة يوقّعون أوراق المعمودية لمن يرغب بمغادرة البلاد. ويقول: "في قدّاس الأحد، حدث ما يشبه المعجزة. تحدّثت عن صمود مسيحيي لبنان، ورفعنا أرزة لبنان وفي داخلها ذخيرة مار شربل. ما إن ارتفعت الأرزة حتى انهمرت الدموع، وخطف أحد الكهنة الميكروفون ليقول للناس: لا للرحيل، نعم للبقاء. وقد تحوّلت العظة إلى إعلان إيمان بالانتماء".



المصدر : نداء الوطن