ديان سامر اللبان - طالبة ماجستير وباحثة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية


تقف منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عند مفترق طرق حاسم. في ظل تصاعد التحديات العالمية واستمرار النزاعات، لم يعد من الممكن تجاهل الحقيقة: القطاع الخاص في المنطقة، والذي لطالما تم الترويج له كمصدر للوظائف والنمو، يعاني من ضعف مزمن في الأداء. لكن تقرير البنك الدولي الصادر في نيسان/أبريل 2025 لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يقدّم دعوة جريئة: لقد آن الأوان للتغيير بسرعة، وجعل القطاع الخاص محرّكاً حقيقياً للنمو الشامل.

تشخيص بلا تجميل

النمو في المنطقة بالكاد بلغ 1.9% في عام 2024، مع توقّعات بارتفاعه تدريجياً إلى 2.6% في 2025 و3.7% في 2026. لكن حتى هذه الأرقام الهزيلة مهدّدة بتقلبات أسواق النفط، واضطراب سلاسل التجارة، وتصاعد التوترات الإقليمية. وراء هذه الأرقام تكمن أزمة أعمق: مستوى المعيشة في دول المنطقة لا يتعدى 19% من مستوى الدول المتقدمة. أكثر من ثلث هذا الفارق يُعزى إلى ضعف الإنتاجية الشاملة. والقطاع الخاص، بدل أن يكون رافعة، يساهم في استمرار الأزمة: انخفاض في الإنتاجية، تراجع في الاستثمارات، قلة في الابتكار، وتضخم في القطاع غير الرسمي. والأسوأ؟ تهميش النساء بشكل شبه كامل من سوق العمل.

الفرصة الممكنة: إعادة تعريف دور الدولة

الحل لا يكمن في رفع الضرائب أو خفضها، ولا في إلقاء اللوم على الاقتصاد العالمي. الحل يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق.

  1. يجب تعزيز المنافسة الحقيقية. لا يمكن للقطاع الخاص أن ينمو في ظل هيمنة الشركات المملوكة للدولة التي تستحوذ على الحصة الأكبر من السوق وتستنزف الكفاءات.

  2. يجب تبسيط البيئة التنظيمية. الفساد، وعدم الاستقرار السياسي، وتعقيد التراخيص، كلها عوامل تقتل روح المبادرة لدى رواد الأعمال.

  3. السياسات الصناعية يجب أن تكون مدروسة ومبنية على البيانات. لا بأس بوضع استراتيجيات صناعية، لكن يجب أن تُبنى على حقائق السوق، وأن تكون خاضعة للتقييم والتعديل.

  4. فتح البيانات الاقتصادية أمر حيوي لفهم ديناميكيات الشركات وتوجيه السياسات الاقتصادية بفعالية.

دور القطاع الخاص في إصلاح نفسه

لكن الحكومات لا تستطيع وحدها إنقاذ الموقف. القطاع الخاص نفسه بحاجة إلى مراجعة الذات. في مقدمة الأولويات: تحسين الإدارة. دراسات عالمية تشير إلى أن ثلث فجوة الإنتاجية بين الدول النامية والمتقدمة تعود إلى سوء الممارسات الإدارية. إدارة فعّالة تعني استغلال أفضل للموارد البشرية والمادية. أما الملف الثاني فهو تمكين المرأة. المشاركة النسائية في سوق العمل في المنطقة هي الأدنى عالمياً – 18% فقط. ومع أن الشركات التي تقودها نساء توظّف نساء أكثر، فإن نسبة النساء في المناصب الإدارية العليا لا تزال منخفضة جداً. دعم ريادة الأعمال النسائية هو استثمار اقتصادي قبل أن يكون واجباً اجتماعياً.

دروس من دول النزاع

تقرير البنك الدولي لا يغفل المآسي في غزة ولبنان وسوريا واليمن. في غزة، انكمش الاقتصاد بنسبة 83% عام 2024، والفقر بلغ مستويات كارثية. وفي لبنان، فقد الاقتصاد حوالي 40% من حجمه منذ 2019.

ورغم كل ذلك، يبقى للقطاع الخاص – وخاصة غير الرسمي – دور إنقاذي. المطلوب ليس فقط إعادة الإعمار، بل دمج هذه المؤسسات في الخطط الاقتصادية، وتسهيل وصولها إلى التمويل والخدمات.

خيار مفصلي: أي طريق سنسلك؟

إمّا أن تواصل المنطقة دورانها في الحلقة المفرغة من الأداء الضعيف والإقصاء، أو أن تختار طريقاً شاقاً نحو الإصلاح الحقيقي. هذا ليس نقاشاً أيديولوجياً، بل ضرورة واقعية. الوظائف لن تأتي من القطاع العام وحده. والنمو لا يُبنى على النوايا. والمناعة الاقتصادية لا تُكتسب دون شمولية ومساواة.


نعم، يمكن للقطاع الخاص أن يصبح محرّك النمو في المنطقة. لكن الأمر يتطلب أن نُعيد تصميم المحرك نفسه.(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News