محمد فحيلي، باحث لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB).


منذ انفجار الأزمة المالية والنقدية في أواخر العام 2019، لم تتوقف الأسرة الدولية عن توجيه رسائل دعم مشروطة للبنان. وفي طليعة هؤلاء، كان صندوق النقد الدولي. فقد اعتُبر الصندوق الأداة الأكثر فاعلية لإعادة تنظيم الاقتصاد اللبناني، وإعادة وصل ما انقطع بين الدولة ومصادر التمويل الدولية. غير أن كل المبادرات، منذ ما بعد "مؤتمر سيدر" مروراً بمفاوضات 2020 الفاشلة، وصولاً إلى خطة التعافي التي لم ترَ النور، اصطدمت بعقبة واحدة: انعدام الإرادة السياسية للإصلاح.

في عام 2021، حصل لبنان على ما يقارب 1.135 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة (SDRs) في إطار التوزيع الاستثنائي من صندوق النقد لمساعدة الدول على التعافي من جائحة كورونا. لكن بدلاً من استثمار هذا المبلغ النادر في تحفيز الإصلاح أو دعم الفئات الضعيفة، تم إنفاقه دون شفافية، وبغياب استراتيجية واضحة، ليُضاف إلى لائحة طويلة من الموارد المهدورة.
اليوم، وبعد أربع سنوات من الانهيار، لا تزال الدولة اللبنانية تتعاطى مع صندوق النقد كمن يُلقي خطاباً عاماً دون نية فعلية للتنفيذ. ولهذا السبب، جاءت زيارة بعثة صندوق النقد الأخيرة إلى بيروت (من 28 أيار إلى 5 حزيران 2025)، لتُشكّل لحظة فاصلة ينبغي البناء عليها لا تجاهلها.

فرغم أن البيان الختامي تضمن عبارات دبلوماسية، إلا أنه حمل بين سطوره تحذيراً واضحاً: لبنان على مفترق طرق، والوقت ينفد. وبإختصار:

لا تعافٍ بدون إصلاح مصرفي. إعادة هيكلة القطاع المصرفي ليست ترفاً ولا ورقة تفاوض. إنها الركيزة الأولى لأي مسار إنقاذي. لا يمكن استمرار الاعتماد على اقتصاد نقدي يفتح الأبواب للتهرب، التهريب، وتبييض الأموال. ولا يمكن استعادة النمو أو إعادة إحياء الائتمان دون قطاع مصرفي موثوق، منظم، وعادل. أشار الصندوق إلى "تقدّم محدود" تمثل في تعديل قانون السرية المصرفية وتقديم مشروع قانون جديد لحل المصارف. غير أن الخطوة الأهم - وهي الإقرار - لا تزال رهينة التجاذبات داخل البرلمان. أي تأخير في هذا المسار سيُبقي لبنان في دائرة الانهيار النقدي والمالي.
الانضباط المالي أولوية. ناقشت البعثة موازنة 2026، مشيرة إلى محدودية الحيّز المالي وصعوبة التمويل. المطلوب واضح: كل ليرة إنفاق إضافية يجب أن تُقابلها ليرة إيراد مؤكد. لا مكان للموازنات الوهمية، ولا لسياسات شعبوية تُغذي العجز وتُعمّق الأزمة. كما شدد الصندوق على ضرورة وضع إطار مالي متوسط الأجل، يشمل إعادة هيكلة اليوروبوندز، وضبط النفقات العامة، وتفعيل الجباية عبر إصلاح الجمارك والضريبة على القيمة المضافة.

لا دعم بدون مصداقية. المجتمع الدولي مستعد لدعم لبنان، ولكن بشروط واضحة. المساعدات ستكون "على شكل قروض ميسرة جداً"، ولن تأتي قبل رؤية إصلاحات فعلية، لا نيّات أو مسودات قوانين. الدعم الدولي لن يُصرف في غياب الحوكمة، الشفافية، وتعزيز مكافحة الفساد. لبنان بحاجة إلى هذا الدعم، ليس فقط لإعادة الإعمار، بل لتحمّل أعباء أزمة اللاجئين، وتأمين شبكة أمان اجتماعي لشرائح المجتمع الأكثر هشاشة.

الرسالة إلى صنّاع القرار: كفى مماطلة

لقد استُنفدت كل الأعذار. لا يمكن الاستمرار في إدارة الأزمة وكأنها مرحلة عابرة. البعثة الأخيرة لصندوق النقد تُعد بمثابة "إنذار أخير". إما أن يتحرك البرلمان والحكومة لإقرار القوانين الإصلاحية وتنفيذها، أو فليتحمّل الجميع مسؤولية بقاء لبنان دولة مفلسة، منعزلة، وتائهة في الزمن.

المطلوب ليس معجزة، بل إرادة سياسية تقطع مع ماضي الزبائنية والمصالح الخاصة. لقد آن الأوان لإعادة تعريف مفهوم "المصلحة الوطنية"، وجعلها مرادفة للإصلاح، لا للتعطيل.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News