ديان سامر اللبان، طالبة ماجستير وباحثة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية؟ 


في خضم الانهيار المالي والاجتماعي الذي يشهده لبنان منذ عام 2019، تكثف الخطاب العام حول "ضرورة تحفيز النمو الاقتصادي". تكرر السلطة، والمجتمع الدولي من خلفها، شعارات مثل "استعادة الثقة"، "تشجيع الاستثمارات"، و"النهوض بالإنتاج". لكن خلف هذه الشعارات، يختبئ سؤال أكثر جوهرية: هل تكفي العودة إلى النمو وحده؟ أم أننا بحاجة إلى مسار أكثر شمولًا وعدالة؟ الجواب، بوضوح، هو أن لبنان لا يحتاج إلى نمو فحسب، بل إلى إنماء اقتصادي واجتماعي يعيد الاعتبار للعدالة والمواطنة، ويصحح التشوهات البنيوية التي راكمتها عقود من السياسات الزبائنية واللامساواة المناطقية.

الفرق الجوهري: النمو ≠ الإنماء
يُخلط كثيراً بين مفهومي "النمو" و"الإنماء"، مع أن الفارق بينهما يشبه الفارق بين الحركة والتقدم. النمو هو ارتفاع في الأرقام: الناتج المحلي، الصادرات، معدلات الاستثمار، وغيرها من المؤشرات الاقتصادية. أما الإنماء فهو انعكاس هذه الأرقام على حياة الناس، على نوعية التعليم، مستوى الخدمات، العدالة في التوزيع، والكرامة الإنسانية.
لبنان عرف فترات نمو ملحوظة، كما حصل في منتصف التسعينيات أو في مطلع الألفية، عندما ارتفعت تحويلات المغتربين وتدفقت أموال إعادة الإعمار. لكن هذا النمو لم يُترجم يوماً إلى إنماء. على العكس، تراكمت الثروات في بيروت، وتضخمت قطاعات محددة مثل المصارف والعقار، بينما بقيت مناطق بأكملها – من بعلبك إلى عكار، ومن الضنية إلى الجنوب – خارج حسابات الدولة وخريطة الإنفاق العام.

جدول مقارنة مبسّط:

النمو الاقتصادي
الإنماء الاقتصادي والاجتماعي
المعيار
زيادة الناتج المحلي الإجمالي GDP
تحسين جودة الحياة وتوسيع الفرص بشكل شامل
التعريف
الإنتاج، الاستثمار، التصدير
العدالة الاجتماعية، التنمية البشرية، تكافؤ الفرص
التركيز
نخب اقتصادية، قطاعات محددة
كافة فئات المجتمع وخاصة المهمّشين
المستفيدون
تحرير السوق، بيئة أعمال، تسهيلات مالية
سياسات عامة عادلة، لامركزية، حماية اجتماعية
الأدوات
تفاقم الفوارق، احتكار النمو
تقليص الفجوات، دعم الاستقرار الاجتماعي والسياسي
المخاطر


أزمة مركزية... وسلطة غائبة عن الأطراف

السبب الجوهري في غياب الإنماء في لبنان هو الخلل في بنية الدولة نفسها. فنظام الحكم المركزي الطائفي أنتج دولة تركّز صلاحياتها في بيروت، وتُدار وفق معادلات محاصصة لا تستند إلى أولويات المواطنين، بل إلى موازين القوى بين الزعامات.

حتى البلديات، وهي الجهة الأقرب للناس والأقدر على فهم حاجاتهم، بقيت لعقود مقموعة ومجرّدة من الموارد. وهكذا، تحوّل الإنماء إلى شعار في الخطط الخمسية، دون أي أثر حقيقي في القرى والأرياف.

البلديات المنتخبة حديثاً: فرصة حقيقية؟

رغم كل شيء، تحمل الانتخابات البلدية الأخيرة بارقة أمل. فالعديد من المجالس الجديدة تضم وجوهاً شابة، مستقلين، نساء، وتحالفات مدنية عابرة للطوائف. إذا ما أُعطيت هذه البلديات الصلاحيات والتمويل والحرية، فيمكن أن تصبح قاطرة حقيقية للإنماء المحلي، عبر مشاريع تتصل مباشرة بحاجات الناس: الطاقة الشمسية، الريف الزراعي، الأسواق الشعبية، التعليم المهني، والنقل المشترك.

لكن هذا لن يتحقق ما لم:
يُعتمد قانون لامركزي حقيقي يتيح للبلديات التخطيط والتنفيذ والمحاسبة.
تُوزّع الموازنات على أساس معايير إنمائية واضحة، لا وفق الولاءات السياسية.
يُشرك المواطنون في رسم الأولويات ومراقبة التنفيذ، عبر مجالس محلية أو لجان أهلية.

الإنماء ليس فقط عدالة... بل استقرار
تجاهل الإنماء لا يؤدي فقط إلى الحرمان الاجتماعي، بل يهدد الاستقرار السياسي نفسه. فالانفجار الاجتماعي يبدأ حين يشعر المواطن أنه منسي، أن منطق الدولة لا يمر في قريته، ولا يعبّر عن أولوياته، ولا يصله من خير الدولة شيء.

وقد رأينا في السنوات الماضية كيف تحول الغضب الاجتماعي إلى غضب شعبي، ثم إلى هجرة جماعية، ثم إلى انكفاء كامل عن الدولة. من لا يُنصف مجتمعه، لن يستطيع حمايته ولا استقراره.

مقترحات سياسية عملية

إن معالجة غياب الإنماء في لبنان لا يكون عبر الأمنيات أو الخطط النظرية، بل من خلال تحوّل جذري في فهم الدولة لوظيفتها الإنمائية، وإعادة هيكلة العلاقة بين المركز والمناطق. ما يلي ليس مجرد أفكار، بل أسس لسياسة عامة جديدة، تجعل من التنمية الاقتصادية والاجتماعية حجر الزاوية في إعادة بناء الدولة:

تبنّي خطة إنمائية وطنية تنطلق من القاعدة لا من رأس الهرم، وتعتمد مؤشرات علمية واضحة لتحديد الفجوات والاحتياجات.
تخصيص جزء ثابت من الموازنة العامة للبلديات واتحاداتها، بعيداً عن مزاجية الوزارات وتعقيدات التبعية الإدارية.
إنشاء مرصد مستقل للإنماء المتوازن يراقب تنفيذ الخطط، ويصدر تقارير دورية شفافة عن التقدم المحرز والفجوات المتبقية.
ربط الدعم الدولي بمشاريع اجتماعية إنتاجية تخدم المجتمعات المحلية مباشرة، وتُنفذ بشراكة شفافة مع البلديات.
مأسسة الشراكة بين البلديات والمجتمع المدني من خلال مجالس تنسيقية أو لجان إنمائية تضمن مشاركة حقيقية للمواطنين في التخطيط والرقابة.
تعزيز القدرات الإدارية للبلديات عبر برامج تدريب وتأهيل، تمكّنها من لعب دور تنموي لا يقتصر على تقديم الخدمات.
ليست هذه المقترحات ترفاً تقنياً أو رفاهية إصلاحية، بل حاجة وطنية ملحّة لضمان البقاء الاجتماعي ولمنع المزيد من الانهيار والهجرة. آن الأوان للخروج من منطق الدولة الراعية لمراكز النفوذ، إلى دولة ترعى الإنسان حيث هو، دون تمييز في الطائفة أو الجغرافيا أو الولاء. الإنماء المتوازن ليس سياسة، بل عقد اجتماعي جديد يعيد الثقة بين الدولة ومواطنيها، ويمنح لبنان فرصة حقيقية للنهوض من تحت الركام.

الإنماء هو المعركة الحقيقية

قد تعود معدلات النمو بفعل تعافي القطاع المصرفي، أو انتعاش العقارات، أو دعم خارجي طارئ. لكن هذا ليس مؤشراً على التعافي الحقيقي. التعافي يبدأ حين تُشعَر القرى المنسية أنها جزء من الوطن، حين يصبح التعليم والطبابة حقاً لا امتيازاً، وحين يُبنى الاقتصاد من القاعدة، لا من القمة.

لبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى أرقام إيجابية في دفتر صندوق النقد، بل إلى عدالة تنموية تُعيد وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع. من لا يرى في الإنماء أولوية… لا يمكنه أن يبني دولة.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News