التاريخ المفروض: حين تصبح الذاكرة ساحةً للصراع والتاريخُ علمَ شكٍّ وتأويل
12-06-2025 05:19 PM GMT+03:00
في زمنٍ تزداد الحاجة إلى مساءلة السرديات الكبرى وإعادة النظر في تمثيلات التاريخ، يقدّم كتاب التاريخ المفروض الذي نحن في صدد مراجعته، مساهمة فكرية لافتة تنطلق من مساءلة أسس المعرفة التاريخية، وتصل إلى تتبّع تحوّلات العلاقة بين الشرق والغرب، من خلال منظور نقدي يحاور مفاهيم مثل الذاكرة، الاستشراق، الاستغراب، والأصالة.
ينطلق تقديم الكتاب الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تأليف هنري لورنس وترجمة جان جبّور - يقع في 423 صفحة، شاملًا ملخّصًا تنفيذيًّا، ومقدمة، وخمسة عشر فصلًا موزّعة على خمسة أقسام، وخاتمة، ومراجع، وفهرسًا عامًّا - من تأمّل في أفول المشروع الحضاري الغربي وتحوّلات صورته في نظر الشرق، مستندًا إلى أسماء فكرية مثل هارولد ماكميلان وميشيل فوكو، ليكشف عن ازدواجية النظر الغربي إلى الشرق: باعتباره مهدًا للحضارة من جهة، وموضوعًا للاستعمار من جهة أخرى. ويؤكد الكاتب أن فهم التاريخ العربي الحديث لا يمكن أن ينحصر في الجغرافيا، بل يجب أن يعبر نحو مفاهيم مثل العنف والهوية والذاكرة... بوصفها مفاتيح أساسية لإدراك الحاضر العربي.
التاريخ بوصفه معرفة لا سردًا
يباشر المؤلف تحليلًا مركّبًا لمفهوم التاريخ، مميزًا الماضي باعتباره تسلسلًا زمنيًّا من التاريخ كإنتاج معرفي وتأويلي. فالمؤرخ ليس ناقلًا محايدًا، بل يُعادِل المحقّق الذي يستنطق الوثائق والآثار المادية، ويعيد بناء المعنى من الشظايا. وهو يبرز التباين بين التاريخ والذاكرة، حيث تبدو الأخيرة أكثر ذاتية ورمزية، بل ومُحمّلة بتمثيلات سينمائية وفنية تتجاوز الدقة إلى التخييل.
تتداخل أدوات المعرفة التاريخية مع الفيلولوجيا والآثار والتحليل الجيني، بل وحتى الوثائق المزوّرة، التي رغم زيفها، تُفصح عن نوايا عصرها وذهنيّاته. من هنا تتأسس قراءة أكثر تركيبًا للحدث، لا مجرد واقعة، بل حالة تنتج معناها من التأويل والزمن، كما في مثل صلب المسيح الذي لم يُسجّل إلا عرضًا.
يلفت الكاتب إلى أهمية مستويات الزمن التي طرحتها مدرسة الحوليات الفرنسية (الزمن الطويل، المتوسط، القصير)، وإلى عودة مركزية "الحدث" في الكتابة التاريخية المعاصرة، لا سيما بعد صدمات الحروب والإرهاب.
كما يناقش مفهوم "الإشكالية" بوصفها سؤالًا يطرحه الحاضر على الماضي، وليس مجرّد اختيار موضوع. فكل جيل يعيد فهم الماضي في ضوء أسئلته، من هنا فالتاريخ معاصر دائمًا، كما يقول كروتشه، أي لا يُكتب إلا ممّا يهمّ زمان كاتبه.
ويتطرّق المؤلف إلى مفاهيم تحليلية دقيقة مثل "الواقع المخالف" الذي يسائل البدائل الممكنة للتاريخ (ماذا لو لم يحدث كذا؟)، من دون أن يقع في فخ العبثية أو التضليل. ويبرز في نهاية الفصل أهمية التحقيب فعلًا تأويليًّا يخضع لسلطة الثقافة والسياق أكثر مما ينتمي إلى الحياد الزمني.
الاستشراق والاستغراب: تفكيك الثنائية وتاريخ التمثيل
ويتناول الكتاب العلاقة المعقّدة بين الاستشراق الأوروبي والاستغراب العثماني، من منظور يتجاوز القراءة الأحادية. فالكاتب لا يكتفي بتوصيف المشروع الاستشراقي منهجًا سلطويًّا مدعومًا بالدولة والتقنيات الحديثة، بل يُقابله بقراءة في محاولات العثمانيين لفهم الغرب، رغم محدودية الأدوات.
قبل القرن التاسع عشر، كانت تمثلات العثمانيين لأوروبا سطحية، كما كانت صورة المسلمين في المخيال الأوروبي. ورغم أن السلطنة العثمانية تعاملت مع أوروبا كـ "دار حرب" من الناحية النظرية، فإنها اعتمدت عمليًّا على أدواتها الدبلوماسية من دون أن تطوّر مؤسسات تمثيلية دائمة.
أما الاستشراق الأوروبي، فقد نشأ من تزاوج النهضة اللغوية وأدب الرحلة والكتابات الدبلوماسية، وتحوّل إلى أداة فكرية في خدمة السلطة، كما في دعم ملوك أوروبا للبعثات الشرقية. في المقابل، لم يكن الاستغراب العثماني بمستوى العمق نفسه، ما أسفر عن فجوة في إنتاج المعرفة حول "الآخر".
ويقدّم الكاتب تحليلًا نقديًّا لفرضية "التاريخ العالمي" كما صاغها الغرب، حيث تبدأ الحضارة من أوروبا وتنتهي فيها، وتُهمَّش المساهمات غير الأوروبية. ويتتبع تطوّر خطابات "الأصالة" كنوع من المقاومة الرمزية، سواء في الفكر العربي الإسلامي، أو في النزعة السلافية الروسية التي رفضت الحداثة الغربية ونادت ببديل روحيّ شرقي.
ويبرز في هذا السياق كيف أن الشرق نفسه أعاد إنتاج هوياته في ظل الأدوات التي صاغها الاستشراق. فالإسلام لم يُسَيَّس ردًّا على اتهامات الغرب وحسب، بل أصبحت "الأصالة" خطابًا عالميًّا مضادًّا للحداثة الغربية، يظهر في تركيا، وروسيا، والبلدان العربية، وحتى في الحركات الغربية الطليعية التي احتفت بالشرق بوصفه مجالًا للروحانية والعمق.
سؤال الحاضر وتاريخ لا ينتهي
يتأمّل الكاتب في أزمة الحداثة الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى، حين فقدت أوروبا احتكارها للمستقبل. ويقرأ انعكاسات ذلك في مشاريع فكرية في الشرق – من طه حسين إلى دعاة الفينيقية – الذين سعوا إلى صوغ هوية معاصرة تستلهم الماضي من دون أن تقع في تمجيده.
في المحصّلة، يقدّم هذا الكتاب مسحًا عميقًا لتحولات الفكر التاريخي وتمثيلات "الآخر"، من موقع نقدي يسائل الحداثة من دون الوقوع في عدائها، ويُعيد تعريف التأريخ كفعل إنسانيّ مركّب، ينتمي إلى الجدل أكثر مما ينتمي إلى الحسم. إنه كتاب يعلّمنا كيف نصغي للماضي بوصفه سؤالًا مفتوحًا، لا سردًا منتهيًّا.
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )
المصدر : Transparency News








