سلّط الباحث في الشؤون العسكرية والمؤرخ سامر القسيس، الضوء على ما وصفه بأنه "أكثر من مجرد ضربة عسكرية، بل بداية فعلية لحرب مفتوحة بين إسرائيل وإيران".


وقال: في فجر الثالث عشر من حزيران 2025، استيقظ العالم على حدث قد يغيّر ملامح الشرق الأوسط لعقود: هجوم جوي إسرائيلي واسع النطاق على أهداف استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية. 

هجوم غير مسبوق: 200 طائرة و350 غارة

بحسب القسيس، شاركت في الهجوم قرابة 200 طائرة إسرائيلية، غالبيتها من طراز F-35 المتطورة، في عملية عسكرية واسعة النطاق نفذت ما يقارب 350 غارة جوية. استهدفت هذه الغارات مواقع متصلة بتخصيب اليورانيوم، ومخازن الطائرات المسيّرة، ومنشآت لصواريخ باليستية، بالإضافة إلى قواعد للدفاع الجوي الإيراني.

الرد الإيراني: تطور في الأداء لا في التأثير العسكري

الرد الإيراني لم يتأخر. إذ أطلقت طهران وابلاً من الصواريخ الباليستية، شملت لأول مرة صواريخ "فتاح" فرط الصوتية. ورغم المشاهد الصادمة للدمار في تل أبيب وبعض المدن الإسرائيلية، فإن الأضرار كانت في معظمها مدنية. وأفادت تقارير بوقوع ثلاثة قتلى وأكثر من عشرة جرحى، دون إصابات مباشرة في بنى تحتية عسكرية.

من الباليستا إلى الباليستي: جذور السلاح وتطوره

شرح القسيس الخلفية التاريخية للصواريخ الباليستية، مستعرضاً مسار تطورها من "الباليستا" الرومانية إلى الأسلحة الفرط صوتية اليوم. وأوضح أن الصواريخ الباليستية، التي تطلق بمحرك يعمل بالوقود ثم تهبط تحت تأثير الجاذبية ضمن مسار محدد، كان لها أول ظهور فعال في الحرب العالمية الثانية مع الجيش الألماني، ولاحقًا دخلت الخدمة في الجيوش العربية بدعم من الاتحاد السوفيتي، خاصة في سوريا ومصر.

الدرس الإيراني: من المتلقّي إلى المنتج

خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات، كانت إيران ضحية لمئات الضربات الصاروخية التي خلّفت آلاف القتلى والجرحى المدنيين. ونتيجة لذلك، بدأت الجمهورية الإسلامية ببناء ترسانة صاروخية محلية بمساعدة سوريا وليبيا، لتصبح لاحقاً ركيزة استراتيجية للحرس الثوري.

توازن الردع: سباق تسلح مفتوح

أشير القسيس إلى أن الصراع الحالي هو امتداد لسباق التسلح بين إيران وإسرائيل، حيث تسعى الأولى لتطوير قدراتها الهجومية عبر صواريخ بعيدة المدى، فيما تركز الثانية على بناء أنظمة دفاعية متعددة الطبقات، أبرزها "القبة الحديدية"، و"مقلاع داوود"، ومنظومة "آرو" المضادة للصواريخ الباليستية.

الاختراق الإسرائيلي: فشل أمني داخلي إيراني؟

من أبرز ما كشفته العملية، حسب القسيس، هو "حجم الاختراق الأمني الإسرائيلي داخل العمق الإيراني". إذ أظهرت تقارير أن الموساد تمكن من زرع خلايا داخلية وأسلحة موجّهة مسبقًا، ساعدت في ضرب مواقع دفاعية وتسهيل الهجوم الجوي. ولم تكن هذه السابقة الأولى؛ فقد شهدت إيران في السنوات الأخيرة عمليات اغتيال نوعية لعلماء في البرنامج النووي، نُفذت بأسلحة عالية التقنية داخل أراضيها.

رسائل سياسية وعسكرية: ماذا بعد الضربة؟

ورغم أن الضربة لم تستهدف قيادات سياسية عليا مثل المرشد الأعلى أو الرئيس الإيراني، فإنها أصابت البنية العسكرية والنووية الحساسة، في رسالة واضحة مفادها أن إسرائيل قادرة على تقويض البرنامج النووي الإيراني دون الحاجة إلى تدخل أميركي مباشر.

ولفت القسيس أن "غياب استهداف القيادة السياسية، إلى جانب تصريحات أميركية من الرئيس ترامب بإمكانية التفاوض، يدل على أن واشنطن لا تزال تفضل احتواء النظام الإيراني لا تغييره في الوقت الراهن".

حرب استنزاف أم صدام شامل؟

حذّر القسيس من أن المشهد الراهن قد ينزلق نحو مواجهة طويلة الأمد، مشيرًا إلى أن تنفيذ عملية جوية بهذا الحجم يتطلب قدرات لوجستية هائلة، بدءاً من عبور مسافة تقارب 2000 كلم، وصولاً إلى استخدام طائرات تزويد بالوقود في الجو والتعامل مع منظومات دفاعية تحت الأرض تتطلب "قنابل خارقة للجبال" لا تحملها الطائرات الاعتيادية.

 


المصدر : Transparency News