ديان سامر اللبان، طالبة ماجستير وباحثة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية


بين إستمرار التوتر في الجنوب، واشتداد الحرب في غزة، وتصاعد الخطر في الجبهة الإيرانية-الإسرائيلية، يقف لبنان على حافة هاوية لا تقتصر على تهديداته الأمنية فقط، بل تطال في عمقها البُعد التنموي والبُنى المجتمعية التي ما عادت تملك مقومات الصمود.

لم تعد التنمية في لبنان اليوم مسألة برامج طويلة الأمد، بل أصبحت ضرورة بقاء. فالدولة اللبنانية المنهكة منذ ما قبل 2019، باتت اليوم شبه عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، خصوصاً في ما يتعلق بالأمن الغذائي، والطاقة، والخدمات العامة. وفي ظل تراجع المساعدات الدولية، وتعثر جهود إعادة الإعمار، وتقلّص التحويلات، وتحديات الامتثال الكامل للقرار الأممي 1701 ومندرجاته، واستمرار تهريب الموارد عبر الحدود، يبدو المشهد قاتماً أكثر من أي وقت مضى.

من هنا، يصبح لزاماً أن يُعاد تعريف مفهوم التنمية في لبنان، ليس باعتباره مساراً للرخاء، بل كأداة لدرء الانهيار، وتعزيز الصمود المحلي، وتثبيت المجتمعات في وجه التفكك والانكشاف.

الأمن الغذائي ليس ترفاً... بل قاعدة سيادية

إن عدم امتلاك لبنان لمخزون استراتيجي من القمح والحبوب والزيوت بعد خمس سنوات من الانهيار هو مأساة وطنية. فالأمن الغذائي لا يُترك للسوق، ولا يُعالج بالاستيراد وحده في ظل الانكشاف السياسي والمالي.

المطلوب اليوم هو تحفيز إنتاج محلي عاجل، ولو جزئي:
إعادة تفعيل الأراضي الزراعية غير المستثمرة في البقاع، عكار، والجنوب، عبر حوافز مالية أو شراكات بلدية–تعاونية.
تشجيع الزراعة الحضرية والحدائق المنزلية في الضواحي المكتظة.
إعادة هيكلة الدعم ليصل مباشرة إلى المنتج الزراعي، لا إلى المستورد أو التاجر الوسيط.
ببساطة، لا تنمية بدون قدرة على إطعام الناس في وقت الأزمات.

الطاقة اللامركزية كضرورة لا خيار
منذ أن انهارت مؤسسة كهرباء لبنان، تولّى المواطن مسؤولية تأمين كهربائه. واليوم، لم تعد الطاقة الشمسية رفاهية، بل عنصراً رئيسياً في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
يجب على الدولة – أو ما تبقّى منها – أن تُسرّع في تقنين وتشجيع المبادرات التالية:
إقامة شبكات كهرباء مجتمعية لامركزية بقيادة البلديات أو النقابات المهنية.
تسهيل استيراد مكونات الطاقة البديلة وإعفائها من الرسوم.
تدريب فنيين محليين لضمان الاستدامة الفنية للمشاريع.
فالاستقلال الطاقي، ولو نسبياً، يعني تقليل الضغط النقدي، وتأمين الخدمات الصحية والتعليمية، وتشغيل الورش الصغيرة.

من غياب الدولة إلى تمكين البلديات
حين تعجز الدولة المركزية، تصبح البلديات الملاذ الأخير للمواطن. وهي، رغم ضعف مواردها، أثبتت قدرتها على التكيّف وتقديم حلول مبتكرة على الأرض.

المطلوب اليوم هو:
تمويل مباشر من الجهات المانحة لصناديق بلدية إنمائية شفافة.
إطلاق ورش تدريبية عاجلة لرؤساء البلديات على إدارة الأزمات والحوكمة المالية.
تعديل قانون البلديات لتوسيع صلاحياتها، خصوصاً في مجالات الصحة، المياه، والغذاء.
فالبلديات لا تطلب سلطات سيادية، بل أدوات إنقاذية. وإذا لم يتم تمكينها اليوم، فسنفقد آخر نقطة توازن محلي في ظل انحلال المركز.

شبكة حماية اقتصادية – مجتمعية بديلة
في ظل شح الموارد عند الدولة، وانسحاب الدعم، وغياب نظام الرعاية الاجتماعية، تعيش مئات آلاف الأسر اللبنانية على حدود الكفاف. لذا، لا بد من بناء شبكة أمان جديدة:
دعم الاقتصاد التضامني: مقايضة، تعاونيات، شبكات توزيع أهلية.
تنظيم الأسواق الأسبوعية الشعبية في القرى والمخيمات والمدن.
إطلاق منصات رقمية للربط بين المنتج والمستهلك دون وسيط.
دعم الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية عبر مبادرات مجتمعية وشراكات مع NGOs.
هذه الآليات، رغم بساطتها، أثبتت فعاليتها في دول تمرّ بأزمات مشابهة كفنزويلا واليمن وهايتي.

الرصد الاستباقي للأزمات المرتبطة بالجغرافيا السياسية
لم يعد لبنان بعيداً عن ارتدادات الحرب الإقليمية، من غزة إلى أوكرانيا إلى المواجهة الكبرى بين إسرائيل وإيران. لذلك، فإن أية سياسة تنموية لا تضع في اعتبارها أثر هذه التغيرات، هي سياسة عمياء.

نقترح:
تطوير وحدة إنذار مبكر داخل وزارة الاقتصاد (أو عبر مؤسسة بحثية مستقلة) لرصد أثر الأحداث الدولية على أسعار السلع.
تنظيم استيراد وتخزين المواد الحيوية من مصادر متعددة غير مرتبطة بمحاور النزاع.
مراقبة الحدود الاقتصادية مع سوريا، ومنع تهريب السلع والعملة.

من تعويم المؤسسات إلى تعويم الثقة
لا مشروع إنمائي سينجح دون إعادة ترميم الثقة بين المواطن والدولة، أو بين المواطن والمؤسسات البديلة (بلديات، تعاونيات، نقابات). وهذه الثقة لا تُبنى بالخطابات، بل بالأداء:
الشفافية الكاملة في إدارة الموارد المحلية.
المساءلة المجتمعية عبر لجان مستقلة أو شبكات رقابية أهلية.
دمج الشباب في القرارات التنموية على مستوى البلديات والمناطق.
لبنان بحاجة إلى أن يشعر المواطن بأن له دوراً في صناعة القرار، لا أن يُعامل كمستقبل سلبي للانهيار.

التنمية كإعلان بقاء
في بلد لا يستطيع أن يحسم مصيره السياسي، ولا يملك احتياطه الغذائي أو الطاقي، تصبح التنمية أداة بقاء، لا مشروع رخاء. لا نريد أن نستورد الغذاء فقط، بل أن نستورد أدوات الصمود، ونكيّفها مع واقعنا. فالانهيار ليس قدراً، إذا عرفنا كيف نحرك ما تبقى من المؤسسات، ونستثمر ما بقي من الثقة.
وإذا كان من درس تُعلّمه لنا الجغرافيا السياسية المتفجرة حولنا، فهو أن الضعيف غير المحمي تنموياً يصبح دائماً ساحة، لا طرفاً.

 (هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )





المصدر : Transparency News