الفجوة المالية في لبنان: من كسر الإنكار إلى صناعة الإنقاذ
19-06-2025 09:32 AM GMT+03:00
تعيش الدولة اللبنانية منذ خريف 2019 ما يُعدُّ أحد أعقد الأزمات المالية والاقتصادية في تاريخها الحديث. أزمة لم تنشأ فجأة، بل تراكمت بفعل سياسات خاطئة، وتواطؤ بين المال والسياسة، وفقدان الحوكمة، وانعدام الشفافية. ما يُعرف اليوم بـ"الفجوة المالية" هو أكثر من مجرد مصطلح تقني؛ هو عنوان لعلاقة تعاقدية مكسورة بين الدولة، والمصارف، والمودعين.
لكن لا يُمكن لأي خطة إنقاذ أن تقوم على الإنكار أو تجميل الوقائع. المطلوب اليوم هو الاعتراف، والمحاسبة، والتخطيط المرحلي الواقعي.
منذ اندلاع الأزمة المالية في خريف عام 2019، دخل لبنان في نفق اقتصادي واجتماعي مظلم، لم تتضح معالم نهايته حتى اليوم. وعلى الرغم من كثرة الخطط، والتصريحات، والمشاورات الدولية، فإن ما يُعرف بـ"الفجوة المالية" لا يزال يتم التعامل معه كحالة غامضة، قابلة للتأجيل أو التجميل، بينما هو في الواقع عنوانٌ صريح لانهيار المنظومة المالية والسياسية، وتصدع العلاقة التعاقدية بين الدولة والمواطن.
الفجوة المالية ليست مصطلحاً تقنياً يُدار بالحسابات فقط، بل هي حصيلة عقود من التواطؤ المتبادل بين أطراف المنظومة: الدولة التي راكمت ديونها بلا رؤية تنموية، والمصارف التي استبدلت دورها التمويلي بالمضاربة على أدوات الدين، ومصرف لبنان الذي تخلى عن دوره الرقابي وابتدع هندسات مالية أدت إلى استنزاف السيولة وضرب الثقة. وما كان لكل هذا أن يحدث لولا غياب الحوكمة، وانعدام الشفافية، وفقدان المساءلة.
تقديرات حجم الفجوة المالية لا تزال متضاربة، ما يعكس غياب الشفافية المؤسسية، ويزيد من صعوبة بناء توافق على خطة إنقاذ. فبحسب خطة الحكومة اللبنانية المقدّمة عام 2020، كانت الخسائر التراكمية في النظام المالي اللبناني تُقدّر بحوالي 69 مليار دولار، توزّعت بين مصرف لبنان والمصارف التجارية. أما مصرف لبنان، فقدّم تقديرات أقل بكثير، بينما تحدّث صندوق النقد الدولي في مراحل لاحقة عن فجوة تتجاوز 72 مليار دولار، مشدداً على ضرورة الاعتراف الكامل بها كشرط مسبق لأي إتفاق أو برنامج. وفي العام 2023، قدّرت مؤسسات مستقلة مثل بنك بيبلوس ومراكز بحثية متخصصة أن الفجوة الفعلية، عند احتساب الخسائر غير المعلنة وسوء تقييم الأصول، قد تصل إلى أكثر من 90 مليار دولار.
هذا التفاوت في التقدير ليس مسألة تقنية فقط، بل يعكس الخلاف العميق بين الأطراف المعنية حول توزيع الخسائر، وهو ما يعطل أي عملية إصلاح جادة. فبين من يعتبرها فجوة محاسبية قابلة للإدارة، ومن يراها إفلاساً صريحاً، ضاعت الحقيقة وضاع معها الأمل باستعادة الثقة.
إن أي مقاربة جدية للفجوة المالية تبدأ من الاعتراف لا من الإنكار. فلا إصلاح ممكن ما لم يُقرّ الجميع بمسؤولياتهم: الدولة مطالبة بالاعتراف بدينها العام وإعادة هيكلته بشفافية، والمصارف ملزمة بالإقرار بأخطائها في توظيف أموال المودعين بما لا يتناسب مع مبادئ إدارة المخاطر، ومصرف لبنان ملزم بتقديم كشف حقيقي عن حجم الخسائر وأسبابها. وفي غياب هذا الاعتراف، يستمر الإنكار بوصفه نهجاً، وتُفرض على الفئات الأضعف، وتحديداً صغار المودعين، فاتورة الانهيار.
صحيح أن العدالة مطلوبة، لكن العدالة غير الواقعية تتحوّل إلى عبء لا يمكن للنظام أن يتحمله. فليس من المنطقي أن نطالب بتحقيق العدالة الكاملة دفعة واحدة في بلد باتت فيه الإدارة العامة بالكاد قادرة على أداء وظائفها الأساسية. المطلوب، إذاً، مقاربة متدرجة، تبدأ بالحد الأدنى من الاستقرار وتنتقل تدريجياً إلى الإصلاح الهيكلي والمحاسبة.
في هذه المقاربة، تصبح الأولوية اليوم لوقف النزيف لا لإعادة اختراع الدولة. علينا أن نعترف بأن الدولة، في هيكلها الحالي، غير قادرة على أن تكون جهة راعية للإنقاذ، بل يجب أن تتحول إلى جهة منظمة وممكنة. وفي ظل عجز الدولة، يبرز القطاع الخاص بوصفه الحليف غير المستغل، والذي نجح في إبقاء بعض دوائر الحياة مستمرة. من هنا، فإن أي خطة تعافٍ جادة لا بد أن تتضمن شراكة فعلية بين القطاعين العام والخاص، لا سيما في القطاعات الاجتماعية مثل الصحة والتعليم وإدارة النفايات.
ما هو ممكن اليوم ليس إعادة كاملة لما فُقد، بل إدارة ذكية لما تبقّى. علينا أن نبدأ من حيث فشل السوق فشلاً ذريعاً: في صلب الدولة، في منظومة الجباية والإنفاق، في عقلية الهدر والزبائنية، وفي ثقافة غياب المحاسبة. لا يكفي أن نعيد رسملة مصرف لبنان أو أن نصدر قانون كابيتال كونترول مجتزأ، بل يجب أن نعيد تعريف دور الدولة في الاقتصاد، ونعيد النظر في منظومة التشريع المالي والمصرفي برمتها. لا بد من إعادة هيكلة الدين العام، وتعديل قانون النقد والتسليف، ووضع قانون فعّال لإعادة هيكلة المصارف، مع أدوات واضحة للحل والمساءلة والحماية.
الأهم من كل ذلك، هو استعادة الثقة. والثقة لا تُبنى بالشعارات ولا تُستورد من الخارج، بل تُبنى من خلال الصدق مع الذات ومع الناس. لا يمكن للمواطن اللبناني أن يثق بأي خطة لا تتضمن اعترافاً صريحاً بمن تسبب بالخسائر، ولا توزع أعباءها على أساس المسؤولية والقدرة. كذلك، لا يمكن للمستثمر أو للمجتمع الدولي أن يراهن على بلد لا يمتلك إطاراً شفافاً للخروج من أزمته، ولا يملك الجرأة لكسر شبكة المصالح التي تُدير الإنكار من خلف الستار.
أمام لبنان اليوم فرصة، قد تكون الأخيرة، ليخرج من منطق التسويف إلى منطق القرار. لم تعد الاجتماعات والمؤتمرات الدولية كافية، ولا الخطط النظرية صالحة، ولا الصمت مجدياً. لقد آن الأوان لصناعة مسار وطني للإنقاذ، يبدأ من الاعتراف، يمر بالتشريع، ولا يستثني أحداً من المحاسبة. فإما أن نواجه الفجوة بالحقائق، أو نغرق فيها حتى النهاية.
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )
المصدر : Transparency News








