يتخبط لبنان في دوامة الانتظار، متأرجحًا بين ضغوط داخلية وتحذيرات خارجية، فيما يُعيد «حزب الله» خلط الأوراق بمواقف تصعيدية تُربك الحكومة وتُقلق المجتمع الدولي. وبين ما يُشبه الانفجار الإقليمي وبين الجمود اللبناني، تتبلور أسئلة مصيرية حول مستقبل سلاح «الحزب» ومصير البلاد في مرحلة تبدّل التوازنات الكبرى.


منذ اندلاع عملية «طوفان الأقصى» مرورًا بـ«حرب الإسناد» ووصولًا إلى مرحلة «الأسد الصاعد»، تسارعت التحولات الجيوسياسية في المنطقة، فتبدّلت موازين القوى وانهارت ركائز الستاتيكو الذي ساد بعد الحرب الباردة. فالصراع لم يعد محصورًا بين الوكلاء، بل وصل إلى قلب إيران نفسها، حيث باتت المواجهة مع إسرائيل مباشرة.

في هذا السياق، لم يتمكن لبنان من الاستفادة من الهزّات الكبرى، بل بقي رهينة منطق الانتظار، في ظل إيمان مزمن بأن الحلول تُصنع خارجيًا. وهذا ما يظهر جليًا في ملف نزع سلاح «حزب الله» الذي وُضع مجددًا في ثلاجة الانتظار، بذريعة الانشغال بالحرب الإيرانية - الإسرائيلية.

مصدر سياسي ودبلوماسي سابق عبّر عن خيبة أمل مزدوجة: لا في مرحلة الاستقرار تمكّن لبنان من إنجاز المطلوب، ولا في لحظة الانفجار استطاع تحييد نفسه. وأشار إلى أنّ تجاهل التحذيرات الدولية، من الموفدين الأميركيين أمثال آموس هوكستين ومورغان أورتاغوس، كلّف البلاد الكثير.

وفي هذا السياق، شكّلت زيارة المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير في تركيا، توم برّاك، إلى بيروت، جرس إنذار واضحًا. فبرّاك لم يطرح جدولًا زمنيًا لنزع سلاح الميليشيات، لكنه أرسل رسالة حاسمة: أي خطوة تجرّ لبنان إلى الحرب ستواجه بردّ قاسٍ. والاختلاف في لهجة الموفدين لا يُلغي حقيقة ثبات الموقف الأميركي ومعه العربي: لا دعم للبنان من دون حصرية السلاح بيد الدولة.

وشدّد المصدر على ضرورة إثبات الدولة جديّتها في تنفيذ القرار 1701، منتقدًا الاتكال المستمر على مخرجات الحروب أو المفاوضات. وكشف أنّ طروحات عدّة عُرضت على الدولة، أبرزها بدء نزع سلاح «الحزب» تدريجيًا من مناطق مثل النبطية مقابل انسحاب إسرائيلي من إحدى التلال، لكنها لم تلقَ تجاوبًا رسميًا.

وتابع المصدر: الاكتفاء بإدانة الخروقات الإسرائيلية لا يكفي في ظل استمرار «حزب الله» بتعزيز قدراته ورفضه تسليم السلاح. وأشار إلى أنّ كل استهداف إسرائيلي لموقع للحزب يفضح عجز الدولة عن بسط سلطتها العسكرية.

وفي السياق ذاته، شكّل كلام نائب الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، مصدرًا إضافيًا للقلق، بعدما أعلن أنّ الحزب "لن يكون على الحياد" تجاه ما تتعرض له إيران، مشددًا على أنّ "المقاومة ستتصرّف بما تراه مناسبًا". هذه التصريحات، إلى جانب تقارير غربية تؤكد إعادة الحزب لبناء قدراته، تضع الحكومة في موقف حرج.

قاسم، بصفته الممثل الشخصي للمرشد الأعلى الإيراني في لبنان، لا يتحرك من فراغ. والسؤال المطروح: ماذا لو طلب منه المرشد علي خامنئي فتح جبهة دعم جديدة في حال شعر أن نظامه مهدد؟ وهل تكفي المواقف اللبنانية، ومنها تأكيد الرئيس نبيه بري على ضرورة عدم التورط بالحرب، لضبط إيقاع الحزب؟

وختم المصدر بالتشبيه: "لبنان يشبه عجوزًا ثقيل الخطى في شرقٍ يخلع ثوبه القديم ويسابق الزمن نحو تغيّر استراتيجي غير مسبوق".


المصدر : وكالات