هل تقود السيارة ذاتية القيادة بذكاء فقط... أم بحكمة أيضاً؟
21-06-2025 03:05 PM GMT+03:00
متى تصبح الأخلاق جزءاً من البرمجة؟
مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الاندماج في الحياة اليومية، يبرز تساؤل مصيري: كيف تتعامل هذه الأنظمة مع مواقف طارئة قد تضع حياة أشخاص على المحك؟ في وقت ينشغل فيه المهندسون بتطوير أجهزة الاستشعار والخوارزميات، تتجه الأبحاث الحديثة نحو سؤال أعمق: كيف تتخذ الآلة قراراً أخلاقياً؟
دراسة حديثة اختارت مقاربة غير تقليدية لهذا التحدي، إذ استعانت بفلاسفة بدلاً من المهندسين أو الجمهور العام، في محاولة لاستكشاف كيفية تحويل المبادئ الأخلاقية إلى خوارزميات قيادة. وجاءت الدراسة كنسخة مطورة من معضلة "عربة الترام" الشهيرة، والتي تطرح سيناريوهات تضطر فيها الآلة للاختيار بين أذى محتوم لطرفين.
خلافاً للطابع النظري للتجربة الأصلية، ركز الباحثون على مواقف حقيقية قد تواجه المركبات الذكية، مثل المفاضلة بين دهس أحد المشاة أو تعريض حياة الركّاب للخطر، أو الاختيار بين عدد من المارة المخالفين وطفل يعبر في ممر قانوني. قرارات كهذه تتجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي التقليدي، وتستوجب حكماً أخلاقياً مدروساً.
اختيار الفلاسفة جاء من منطلق اختصاصهم في تحليل المناطق الرمادية من السلوك البشري. وبحسب الفريق البحثي، فإن دراسة ردود أفعالهم تساهم في تطوير ما يُعرف بـ"الأطر الميتا-أخلاقية"، وهي أنظمة مرنة توجّه سلوك الخوارزميات في الحالات المعقّدة دون الاعتماد على أوامر جامدة.
هذا التوجه لا يهدف إلى إرضاء الرأي العام بقدر ما يسعى إلى وضع أسس عقلانية لما يجب أن يحدث، بدلاً من الاكتفاء بملاحظة ما يفعله الناس عادة. وهو ما قد يكون حاسماً في كسب ثقة الجمهور، وفي بناء أنظمة تُتخذ قراراتها على أساس أخلاقي لا شعبي فقط.
وبحسب دراسات مكملة، فإن إدماج ما يسمى بـ"الوعي الاجتماعي" في أنظمة القيادة الذاتية، مثل توقّع تصرفات البشر المفاجئة في محيط المدرسة أو الأحياء السكنية، يمكن أن يقلل الحوادث بشكل كبير، وهو ما يشير إلى أن الأخلاق في الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على التعامل مع الكوارث، بل تشمل تجنّبها من الأصل.
لكن رغم هذا التقدّم، لا تزال التحديات قائمة. فالقرارات على الطرقات تتم في أجزاء من الثانية، بينما تتطلب المعايير الفلسفية تحليلاً أعمق لا يتماشى مع إيقاع الحياة الواقعية. أضف إلى ذلك التحيّزات الثقافية وتباين الأنظمة القانونية وصعوبة التوحيد العالمي للقيم الأخلاقية.
في النهاية، يُظهر هذا البحث أن مستقبل السيارات ذاتية القيادة لن يُبنى فقط على التكنولوجيا، بل على الأخلاق أيضاً، وأن النجاح في هذا المسار يتطلب تعاوناً غير مسبوق بين الفلاسفة والمهندسين والمشرّعين والمجتمع.
المصدر : وكالات








