مع دخول واشنطن رسميًا في الحرب عبر ضرب المنشآت النووية الإيرانية، بدأ المشهد الإقليمي يتغيّر بشكل دراماتيكي، فيما يراقب لبنان التطورات ويقف على مفترق طرق حساس، وسط ضغوط دولية وتحذيرات مباشرة من الانزلاق إلى صراع لا قدرة له على تحمّل تبعاته.


دخلت الولايات المتحدة الأميركية الحرب بشكل مباشر، حيث نفّذ الرئيس دونالد ترامب تهديداته، مستهدفًا المنشآت النووية الإيرانية، ما أدّى إلى تحوّلات واسعة في المشهد الإقليمي، فيما يترقّب لبنان تداعيات الضربة على موقعه ومستقبله السياسي والأمني.

لبنان، كعادته، يتأثر تلقائيًا بتقلبات المنطقة. وكانت أبرز التأثيرات عام 1979 مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، حين صُدّرت إلى بيروت، لتعيش البلاد سنوات طويلة من الحروب والمواجهات.

وفي ظل التصعيد الحالي، تقف الدولة اللبنانية عاجزة، مكتفية بدور المتفرّج. ويرى مراقبون أن الفرصة الذهبية كانت بعد انتهاء الحرب الأخيرة وتوقيع اتفاق الهدنة في 27 تشرين الثاني الماضي، حين كان يمكن فرض السيادة ونزع سلاح الميليشيات، لكنها ضاعت.

التحذير الأميركي الرسمي وصل قبل أيام، على لسان الموفد توم برّاك، لكن الردّ اللبناني لم يكن على قدر التحدي. فقد رفض مجلس الوزراء اقتراح وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي إصدار موقف من تصريح الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، الذي أعلن بوضوح دعم إيران وعدم الالتزام بالحياد.

الرسائل الأميركية والغربية إلى بيروت تتوالى، وآخرها تحذير صريح بضرورة تغيير النهج السياسي. وتفيد مصادر مطلعة أن الضربة الأميركية لإيران لا تستهدف طهران فقط، بل هي أيضًا رسالة واضحة إلى أذرعها الإقليمية، وللدول التي تماشي تلك الأذرع من دون رادع.

وبحسب المصادر نفسها، فإن الوضع الراهن يتطلب من لبنان الرسمي التخلّي عن سياسة المسايرة، واعتماد الحزم في التعامل مع سلاح “حزب الله” وتمدد نفوذه. واشنطن، رغم محاولتها مراعاة الوضع اللبناني، لا تنوي التراجع عن مطلبها الأساسي: إنهاء الدور العسكري لـ“حزب الله” وبسط سيادة الدولة.

وتنفي المصادر ما يروّجه محور “الممانعة” عن رسائل طمأنة، مؤكدة أن الواقع داخل الغرف المغلقة مختلف كليًا عن الخطاب العلني، وأن كل الخيارات على الطاولة.

لبنان دخل لحظة مفصلية في تاريخه، إذ أن أي قرار من “حزب الله” لمساندة إيران عبر فتح جبهة الجنوب، سيجلب ردًا إسرائيليًا مدمّرًا، وهو ما لا تريده لا الدولة اللبنانية ولا حتى شريحة واسعة من البيئة الشيعية، وفق ما أظهره موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي شدّد على النأي بالنفس. لكن الردّ من الحزب أتى سريعًا على لسان الشيخ قاسم، مؤكدًا الاستعداد للدخول في المعركة.

المعطيات تشير إلى أن أذرع إيران في اليمن والعراق وغزة ولبنان قد تتحرّك في وقت واحد، لكنّ واشنطن لا تنوي التدخل إلا إذا عجزت تل أبيب عن المواجهة. وتؤكد مصادر مطّلعة أن ترامب أمر بقصف المنشآت النووية لأن إسرائيل لا تملك قنابل قادرة على اختراقها، لكنها قادرة على ضرب الأذرع الأخرى، ومنها “حزب الله” الذي لم يعد يشكّل خطرًا كبيرًا في نظر الإدارة الأميركية بعد إضعافه وسقوط النظام السوري وضرب بنية إيران.

في هذا السياق، تبرز واشنطن كلاعب رئيسي على الساحة اللبنانية، من خلال دعمها المالي والعسكري، لا سيما للجيش اللبناني، وإنشاء أكبر سفارة لها في الشرق في عوكر، فضلًا عن الوجود العسكري التقني والاستخباراتي المستمر.

ويذكّر البعض بتجربة العام 1958، حين نزلت قوات “المارينز” على شواطئ بيروت. أما اليوم، فوجود واشنطن لا يحتاج إلى إنزال، فهي حاضرة سياسيًا وعسكريًا، وتملك النفوذ الأوسع، ويترأس جنرال أميركي لجنة مراقبة الهدنة. وعليه، يبقى توسيع الحضور الأميركي واردًا في أي لحظة، حسب تطورات المنطقة، إذا قرّرت إيران الذهاب إلى مواجهة شاملة عبر أذرعها.



المصدر : نداء الوطن