محمد فحيلي، باحث لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأمريكية في بيروت (AUB)


شهد الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً خلال الأيام الماضية. ما بدأ كحرب إقليمية مفتوحة بين إيران وإسرائيل، تطور إلى مواجهة دولية بعد دخول الولايات المتحدة على الخط، ثم فجأة، وفي تطور لم يكن في الحسبان، أعلنت الأطراف المعنية وقفاً لإطلاق النار برعاية إقليمية ودولية كثيفة. فهل هذه تهدئة دائمة؟ أم مجرد هدنة تكتيكية تُخفي ما هو آتٍ؟

من تصعيد عالمي إلى توقف تكتيكي. أشعلت الضربات المتبادلة بين طهران وتل أبيب المخاوف من اندلاع حرب إقليمية شاملة، خصوصاً بعد التدخل الأمريكي المباشر. كان التوتر على وشك الانفجار، قبل أن تتدخل قنوات الوساطة، خصوصاً من سلطنة عمان وقطر وتركيا، في لحظة مفصلية. وقف إطلاق النار الحالي ليس تتويجاً لحل سياسي شامل، بل هو تجميد للمعركة لا أكثر، في ظل هشاشة الأرضية الإقليمية، وغياب الضمانات الصلبة.

هل توقفت الآثار؟ بالطبع لا. حتى مع الهدنة، فإن آثار الحرب لم تتوقف. سلاسل الإمداد تعطلت، والتكامل الاقتصادي المرتقب عبر مشاريع كـ "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)" لا يزال معلقاً. ثقة المستثمرين لم تعُد، وأقساط التأمين والشحن بقيت مرتفعة. ومضيق هرمز وباب المندب لم يستعيدا أمنهما الكامل بعد. ما نشهده هو "ارتداد ما بعد الزلزال" الذي يمكن أن يكون أكثر بطئاً لكنه لا يقل خطورة.

الخليج: من الاستنزاف إلى اختبار المرونة. رغم أن الهدوء النسبي قد يُخفف الضغط على ميزانيات الأسر والدول، إلا أن دول الخليج، وخصوصاً السعودية والإمارات وقطر، تواجه أسئلة استراتيجية صعبة: هل الاستثمار في استقرار الإقليم مجدٍ؟ أم أن إعادة التموضع نحو الداخل والتحول لمراكز مالية محايدة هو الخيار الأفضل؟ أما الدول الصغيرة مثل البحرين وعُمان، فلا تزال أمام تحديات مالية حادة، والضغوط على الاستيراد والدعم تتصاعد.

لبنان: التهدئة لا تُحرر من الهشاشة. التهدئة لم تُحرّر لبنان من موقعه كـ"ساحة مفتوحة محتملة" ما دام تطبيق القرار الأنمي 1701 يواجه تحديات قد تكون الشرارة التي قد تشعل جبهة الجنوب مجدداً. ورغم أن وتيرة التهديد تراجعت، إلا أن المخاطر الكامنة لا تزال حاضرة: تصعيد مفاجئ، أو عمليات غير مباشرة قد تعيد إشعال الجبهة الجنوبية. لبنان لا يملك هامش المناورة، وسط انكماش اقتصادي، وإفلاس مؤسساتي، وضغط اجتماعي خانق. أي انتكاسة قد تكون كارثية، خصوصاً مع استمرار تهميشه عن المبادرات الإقليمية والدولية.

ماذا بعد وقف إطلاق النار؟ التطور الإيجابي يجب ألا يخفي الحقيقة: المنطقة لا تزال على شفير هاوية. التهدئة تمنح فسحة ضيقة للتحرك، لكنها لا تمثل نهاية للمخاطر. لذلك يجب استثمار اللحظة في ثلاثة مسارات متزامنة:

التحصين السياسي والدبلوماسي. من الضروري البناء على هذا الهدوء لإطلاق مفاوضات أمنية مستدامة، برعاية دولية، تشمل أمن الممرات البحرية، وضبط التفاعلات الإقليمية، وتحديد خطوط حمراء واضحة.

التحرك الاقتصادي العاجل. يجب تفعيل أدوات دعم العملة والسيولة للدول الهشة، وتقديم حزم غذائية وتمويلية سريعة. كما ينبغي إعادة تمكين ممرات التجارة الإقليمية وتوفير ضمانات استثمارية.

الاستعداد لما هو قادم. لا ضمانة بأن وقف إطلاق النار سيدوم. لذا يجب على الدول، وخصوصاً في الخليج، تعزيز دفاعاتها السيبرانية والاقتصادية والمالية، وتحديث خطط الطوارئ والتنسيق الأمني الإقليمي.

مفترق طرق جديد، ولكن مختلف… 

دخلت المنطقة لحظة فاصلة: فإما البناء على التهدئة لإنشاء بنية أمنية واقتصادية أكثر توازناً، أو العودة إلى لعبة الاصطفافات والتصعيد. لكن الواضح أن ما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها. وكل تأخير في التحرك نحو استثمار التهدئة سيفتح الباب لانهيارات أعمق.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News