في إحدى أطول الغارات الجوية بالتاريخ العسكري الحديث، حلّقت سبع قاذفات شبح من طراز "بي-2" الأمريكية، وعلى متن كل منها طياران، لمدة 37 ساعة متواصلة.


وكانت هذه المهمة الضخمة تستهدف 3 منشآت نووية في إيران، وتثير تساؤلاً جوهريًا: كيف تمكّن الطيارون من الصمود في الجو لهذه المدة الطويلة جدًا؟

النوم: فن إدارة الإرهاق

يُعدّ النوم تحديًا كبيرًا في المهام الجوية الممتدة. يوضح العقيد المتقاعد في سلاح الجو، ميلفين جي ديل، الذي خاض مهمة مشابهة دامت 44 ساعة عام 2001، أن الطيارين المؤهلين يخضعون لتدريبات مكثفة على أجهزة المحاكاة لضبط دورات نومهم، رغم أن هذه التدريبات نادرًا ما تتجاوز 24 ساعة.

للتغلب على الإرهاق، كانت أطقم القاذفات تتلقى حبوبًا منومة قبل الرحلة لتعزيز راحتهم. أثناء المهمة، تفرض السياسة المتبعة يقظة كلا الطيارين في اللحظات الحاسمة (الإقلاع، التزود بالوقود، القصف، والهبوط). أما في الساعات الفاصلة، فيتناوب الطياران على النوم في سرير صغير خلف مقاعد قمرة القيادة، ليحصل كل منهما على قسط من الراحة يتراوح بين 3 إلى 4 ساعات تقريبًا بين كل عملية تزود بالوقود. يشير ديل إلى أن النوم قد يكون صعبًا بسبب القلق، لكن الجسم يحصل في النهاية على الراحة الضرورية.

المنبهات: للحفاظ على اليقظة

لتعزيز يقظة الطيارين طوال المهمة، كان الأطباء في السابق يصفون لهم الأمفيتامينات، وهي منبهات للجهاز العصبي المركزي. ومع ذلك، يؤكد ديل أن هذه الممارسات ربما تكون قد تغيرت الآن نظرًا لمرور أكثر من عقدين على تجربته الشخصية.

المرافق الصحية: تحديات "بدائية" على ارتفاعات عالية

على الرغم من كونها من أغلى وأكثر القاذفات تطورًا، فإن مرافق المراحيض في طائرة "بي-2" تُوصف بأنها "بدائية". يستخدم الطيارون مرحاضًا كيميائيًا محمولًا، لكنهم يلجأون إليه فقط في "حالات الطوارئ القصوى" لتجنب امتلائه. يوضح ديل أنه لا يوجد فاصل حقيقي بين المرحاض ومقاعد الطيارين، مما يلغي أي خصوصية.

لمواجهة مشكلة الجفاف الناتجة عن الارتفاعات العالية وقمرات القيادة المضغوطة، كان شرب الماء أمرًا حيويًا. قدّر ديل أنه وزميله كانا يشربان زجاجة ماء كل ساعة. أما للتبول، فكان الطيارون يستخدمون "أكياسًا للتبول" مليئة برمل القطط. بل ويذكر ديل أنهما كانا يقضيان الوقت في حساب كمية ووزن هذه الأكياس المتراكمة.

الطعام: وجبات خفيفة في الأجواء

لم يشكل الجوع تحديًا كبيرًا للطيارين، بحسب ديل، الذي يشير إلى أن الجلوس ساكنًا لعشرات الساعات لا يتطلب حرق الكثير من الطاقة. كان الطيارون يحضرون معهم بعض الأطعمة الخفيفة، وتُقدم لهم أيضًا وجبات مُعدّة خصيصًا لتناولها أثناء الطيران.

تُعدّ قاذفات "الشبح بي-2" رمزًا للقوة العسكرية والتفوق التكنولوجي، بقدرتها على ضرب أي هدف في العالم مع الإفلات من أنظمة الرصد. صُممت هذه الطائرة الخارقة خلال الحرب الباردة لتكون قاذفة للصواريخ النووية، وتُعتبر من أغلى الطائرات على الإطلاق؛ حيث تتراوح تكلفتها بين 737 و929 مليون دولار للطائرة الواحدة.


المصدر : وكالات