في عام 2023، لم يكن حاكم المركزي كريم سعيد، جزءا من هيكلية مصرف لبنان، ورغم ذلك، فإن توجّه المصرف، بما في ذلك الحاكم بالإنابة وسيم منصوري ونوابه، كان واضحًا: يجب أن تكون هيئة حل أوضاع المصارف مستقلة ومختلفة عن الهيئة المصرفية العليا التي تتمثل مهمتها بفرض العقوبات، لا بإيجاد حلول للأزمات المالية. هذا الطرح لم يكن من باب التنازع على الصلاحيات، بل من منطلق دستوري ومهني يفصل بين الجهات الرقابية والتنفيذية.


عندما تسلّم سعيد مهامه، واصل الخط ذاته، مؤكدًا أنه لا يسعى لتوسيع صلاحيات مصرف لبنان، بل على العكس، اقترح إنشاء الهيئة ضمن إحدى الوزارات المتخصصة، مثل وزارة المالية أو وزارة العدل، إذا أصرت الحكومة على موقفها. لكن هذه الأخيرة تُصرّ على إبقاء الهيئة ضمن مصرف لبنان، وهو ما يُحتّم أن يكون للحاكم، وهو محامٍ مجاز وعضو في نقابة محامي نيويورك، ومصرفي متمرّس أشرف على 7 من أصل 11 عملية خصخصة في الشرق الأوسط، بين 2002 و2006، رأي واضح ومسؤول مبني على الخبرة والواقع.

وقد عمل الحاكم بالتنسيق مع الحكومة ووزارة المالية على تقديم بدائل قانونية لبعض مواد القانون، لكن الطرفين تنصّلا لاحقًا من هذه التفاهمات، ما اضطر مصرف لبنان لتقديم المقترحات منفردًا أمام لجنة المال والموازنة النيابية.

لكن من يقف فعليًا في وجه منطق مصرف لبنان؟ إنها وزارة المالية، بقيادة وزير يفتقر إلى الخبرة القانونية والمصرفية، ويستعين بمستشار لا يحمل بدوره مؤهلات قانونية أو قضائية، بل يسعى للعودة إلى موقعه السابق في لجنة الرقابة على المصارف. وبالرغم من الفوارق المهنية الهائلة بين الوزارة والمصرف المركزي، إلا أن الوزارة مدعومة سياسيًا من رئيس مجلس النواب الحاكم بأمره، ما يعيد طرح الأسئلة حول الخلفيات الحقيقية لهذا الصراع.

وفي محاولة لتبرير موقفها، تلجأ وزارة المالية إلى الاحتماء بصندوق النقد الدولي، وكأن هذا الأخير تحوّل إلى مصدر إلهام للتشريع في لبنان، أو كأن الوزارة ضعيفة الحجة إلى حد أنها تستعير مواقف الصندوق لدعم خياراتها. لكن الحقيقة أن صندوق النقد لا يُعنى بتفاصيل مثل ما إذا كان رئيس لجنة الرقابة على المصارف عضوًا مصوّتًا في الهيئة، طالما أن تقارير اللجنة تُقدَّم ويُؤخذ بها. أما الوزارة، فيُهمّها أن يكون هذا العضو، الذي يتوقع أن يُعاد تعيينه، ليس فقط مشاركًا، بل صاحب صوت حاسم على الطاولة.

الأمر لا يتوقف عند البعد التقني، بل يُفتح الباب أمام إعادة إنتاج اتفاق الطائف الاقتصادي، حيث يهمس فؤاد السنيورة في أذن رئيس الحكومة، بضرورة أن يكون لرئيس لجنة الرقابة، وهو سُنّي، مقعد تصويتي واضح، بما يشبه تثبيت موقع طائفي داخل هيئة مصرفية تقنية.

أما النائب ياسين جابر، فموقفه لا ينبع من مضمون القانون بقدر ما هو مرآة لرغبات رئيسه السياسي، الذي لا يريد للقانون أن يُقرّ قبل أن يفهم تمامًا كيفية توزيع الخسائر، خشية أن تتضرر بيئته السياسية، التي ضخّت مليارات الدولارات في المصارف اللبنانية من الخارج، وتحديدًا من أفريقيا.

أمام هذا التعطيل المقصود، يُطرح حلٌّ عمليٌّ يتمثل في تشكيل لجنة مصغرة من صندوق النقد ووزارة المالية ومصرف لبنان، تجتمع لمدة 48 ساعة للخروج بتسوية فعلية لمواد 5 و6 من مشروع قانون حل أوضاع المصارف. فترك هذه المسائل عالقة لا يخدم سوى معطّلي الإصلاح، ويدفع البلاد نحو مزيد من التآكل المؤسسي.

وكل ما عدا ذلك، ليس إلا مضيعة للوقت واستعراضًا سياسيًا مفضوحًا، هدفه تقزيم موقع الحاكم وتحويل الملف الاقتصادي إلى حلبة محاصصة جديدة، بعنوان: "الطائف الاقتصادي".


المصدر : وكالات