ديان سامر اللبان، طالبة ماجستير وباحثة في التنمية الإقتصادية والاجتماعية


رغم كل ما حلّ بلبنان، لا يزال النقاش حول التنمية الاجتماعية والاقتصادية محاصراً بالسطحية، وكأنه ترفٌ لا وقت له. والحقيقة أن التنمية لم تكن يوماً ترفاً، بل هي الشرط الوحيد المتبقي قبل الانهيار التام.

خمس سنوات مرّت على الانهيار المالي، ولم تخرج من الدولة إشارة واحدة إلى محاسبة جدية أو خطة نجاة حقيقية. يُدار الإعمار كأداة زبائنية، وتُعيَّن المواقع المالية الحساسة بالمحاصصة، وتُهدر المساعدات بلا رؤية، وتُسجن الودائع بلا حق أو مبرر.

وفي المقابل، نرى المصارف تعود إلى المشهد الإعلاني بلا ذاكرة، وكأنها لم تكن شريكة في تدمير الثقة والمدخرات. أما التعليم، فقد أصبح أداة استسلام فكري، يُدرّس فيه الاقتصاد بلا بشر، والتنمية بلا عدالة، والمستقبل بلا أفق.

ورغم ما يُحاك في الإقليم، فالأخطر في لبنان ليس الحرب، بل استمرار الدولة كمنصة للشلل. تصنيف لبنان كدولة عالية المخاطر، وإبقاؤه في خانة "التعثّر السيادي” من وكالات التصنيف العالمية، ليس تآمراً، بل اعترافٌ واقعي بفشل بنيوي داخلي.

في هذا الظلام، تلمع بعض المحاولات الجادة من السلطة التنفيذية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوزراء، الذين يظهرون إرادة إصلاحية رغم قيد الإمكانيات وانعدام الغطاء التشريعي. لكن هذه الجهود ستبقى رهينة أداء مجلس النواب، الذي يرفض منح الحكومة صلاحيات استثنائية تمكنها من التحرك في الوقت الحرج. وإذا لم تُكسر هذه الحلقة، وإذا لم تنتقل الدولة من إدارة العجز إلى الاستثمار في الإنسان، وإذا لم تتحرر الإرادة السياسية من الطائفية والتردد، فإن لبنان سيتحول إلى دولة بلا جدوى.

لقد آن الأوان لأن تُبنى التنمية على ركيزتين: المحاسبة والجرأة. لا نحتاج إلى مزيد من القروض، بل إلى خريطة طريق وطنية تنقل لبنان من منطق الاستنزاف إلى منطق الإنتاج. فإما أن نستفيق أو نُستنزف إلى ما بعد القاع.

في لبنان، لم تعد التنمية خياراً اقتصادياً، بل واجباً أخلاقياً وحقاً إنسانياً. ففي بلد تتآكل فيه القيم المؤسسية، وتتسع فيه هوة الفقر والبطالة، لم يعد ممكناً فصل الاقتصاد عن الكرامة، ولا السياسات المالية عن حق الناس في التعليم والصحة والغذاء.

لقد عانى اللبنانيون كثيراً. من انهيار المصارف، إلى فقدان الثقة بالدولة، إلى تراجع قيمة العملة، والنتيجة كانت انهيار العقد الاجتماعي وانسحاب الدولة من دورها التنموي. ومع ذلك، لا تزال النخب الحاكمة تتعامل مع التنمية كمجرد شعار، بينما هي في الحقيقة الأساس الذي تُبنى عليه الدولة الحديثة.

لبنان في قلب أزمة تنموية

الانهيار في لبنان ليس مالياً فقط، بل تنموياً بالدرجة الأولى. فاقتصاد لا يخلق فرص عمل، وتعليم لا ينتج معرفة، ومؤسسات لا تحمي الأضعف، لا يمكن أن يكون أساساً لمجتمع عادل. ومن بين أبرز مظاهر هذه الأزمة:

●        ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب والنساء.

●        تدهور البنية التحتية للخدمات الأساسية من صحة وتعليم ونقل.

●        زيادة الاعتماد على التحويلات والمساعدات بدلاً من الإنتاج المحلي.

●        ضعف شبكات الحماية الاجتماعية وغياب الدعم للفئات الأكثر هشاشة.

لا تنمية دون استرداد الدولة

التنمية لا تصنعها المبادرات الفردية، بل تتطلب دولة فاعلة ذات رؤية اجتماعية واقتصادية شاملة. لكن هذه الدولة، في لبنان، جرى إفراغها من محتواها لصالح تحالفات زبائنية تضع يدها على المال العام وتمنع التوزيع العادل للثروة.

ولعل أخطر ما في المشهد، هو أن أدوات التنمية، من خطط وسياسات وموازنات، خُطفت من يد المؤسسات الدستورية، وباتت رهينة الولاءات الطائفية، والصفقات السياسية، والتسويات المؤقتة.

ما العمل؟ خارطة طريق أولية

من أجل الخروج من هذا المأزق، لا بد من إعادة تعريف مفهوم التنمية في لبنان من زاويتين:

  1. التنمية باعتبارها استثماراً في الإنسان، لا مجرد نمو في الأرقام أو توازن في الموازنات. وهذا يعني إعطاء الأولوية للصحة، والتعليم، والضمانات الاجتماعية، والبنية التحتية.
  2. التنمية كعدالة توزيعية، تستهدف تقليص الفجوات بين المناطق، وبين الشرائح الاجتماعية، وبين القطاع العام والخاص.

وتُترجم هذه المبادئ عبر الإجراءات التالية:

●        إنشاء هيئة تنموية مستقلة تضم خبراء من الداخل والخارج، تُشرف على مشاريع التنمية بعيداً عن المحاصصة والولاءات السياسية.

●        توجيه الإنفاق العام نحو القطاعات المنتجة، خاصة في الزراعة، والصناعة الخفيفة، واقتصاد المعرفة.

●        إعادة هيكلة النظام الضريبي ليصبح أكثر عدالة، ويخفف العبء عن الفقراء ويحمّل الأغنياء نصيبهم العادل.

●        إصلاح النظام التربوي ليكون أكثر ارتباطاً بسوق العمل، وأكثر قدرة على تخريج جيل نقدي ومبادر.

●        تفعيل البلديات والسلطات المحلية كمحركات تنموية في المناطق المهمشة.

التعليم والاقتصاد السياسي: رأس جسر التنمية

ليس من قبيل المصادفة أن ينهار التعليم في بلدٍ ينهار فيه الاقتصاد. فغياب التفكير النقدي، واستمرار التلقين في الجامعات، وقتل الاقتصاد السياسي واستبداله بمواد تقنية محايدة، كل ذلك يساهم في استمرار الهيمنة وقبول الفقر كقدر.

إذا أردنا تنمية حقيقية، فلا بد من ثورة فكرية في التعليم، تُعيد إنتاج الطالب كمواطن، لا كأداة. تُنتج باحثاً لا ببغاء. تُعلّم أن الاقتصاد لا ينفصل عن العدالة، وأن كل خيار مالي هو في جوهره خيار أخلاقي.

التنمية أو اللا دولة

لبنان اليوم في مفترق طرق. فإما أن يتحول إلى نموذج دولة تنموية تنهض من تحت الركام، أو أن يبقى حبيس “اللا دولة”، حيث تغيب العدالة، وتُستبدل التنمية بالاسترضاء، ويُترك المواطن لمصيره.

التنمية ليست ترفاً مؤجلاً، بل شرط وجود. ولا يمكن أن تتحقق في ظل الاستمرار في محاصرة الحكومة ومنعها من امتلاك صلاحيات استثنائية تعيد بناء الثقة وتنقذ ما تبقى من الاقتصاد والمجتمع.

لقد حان الوقت لتحرير التنمية من الطائفية، ومن الاقتصاد السياسي للأزمة. فالإنسان اللبناني يستحق دولة تؤمن له العيش الكريم، لا منظومة تبرّر الفشل وتطيل أمد الخراب.

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News