من دون مساءلة ولا تصحيح للمسار: هل يُعقل أن تُستأنف الحياة المصرفية وكأن شيئاً لم يكن؟
30-06-2025 09:04 AM GMT+03:00
في بلدٍ لم تُطوَ فيه بعد صفحة الكارثة المصرفية، عادت المصارف التجارية إلى شاشات التلفزة والإعلانات وكأنها كانت في عطلة طويلة، لا في قلب واحدة من أعنف الأزمات المالية في التاريخ المعاصر. ظهرت بوجهٍ دعائي ناعم، تروّج لخدماتها الجديدة، وتدعو الناس للاستفادة منها، وكأن لا ودائع حُجزت، ولا ثقة دُمرت، ولا أعمار الناس استُبيحت.
هذه العودة الإعلامية لم تأتِ بعد مصارحة، ولا مساءلة، ولا حتى خطوة رمزية في طريق جبر الضرر. لم نسمع اعتذاراً، ولا شاهدنا مراجعة جدية لسلوكها السابق، بل بدت وكأنها تمارس إنكاراً جماعياً للواقع.
ثلاثية الإنكار المؤسسي. كيف يمكن لمصرف أن يعيد التموضع في السوق، بينما:
1. لا تزال الودائع محجوزة منذ أكثر من خمس سنوات من دون وجه حق؟
2. تواصل العمولات الجائرة التهام ما تبقى من أرصدة في حسابات الناس، لا سيما أصحاب الدخل المحدود والأرصدة الصغيرة؟
3. توقفت الفوائد على الودائع لأجل، من دون إنذار أو سند قانوني، ومن دون تعويض عادل، مع العلم بأن هذه المصارف استفادت من فوائد عالية، تتعدى ال 5% على الدولار، لأكثر من سنتين؟
والمفارقة أن بعض مشاريع القوانين السابقة اقترحت شطب الفوائد "غير الواقعية" التي جُمعت قبل الأزمة، في حين أن الامتناع عن احتساب الفوائد على الحسابات لأجل بعد الأزمة يُعد إجراءً غير منطقي وغير عادل. كل صاحب "حساب نظيف" يستحق أن تحتسب له الفوائد عن كل السنوات الماضية.
من أدوات التحفيز إلى أدوات القهر. منذ تشرين الأول 2019، لم يصدر عن أي مكوّن من مكونات القطاع المصرفي مبادرة حقيقية تجاه المودعين. لقد تحوّلت المصارف من أدوات تحفيز اقتصادي إلى أدوات قهر مالي، وأصبحت عبئاً على الناس والمؤسسات. كل ذلك حصل، ويستمر في الحدوث، من دون تدخل فعّال من أي سلطة رقابية تُذكر.
المطلوب ليس شيطنة المصارف بل مساءلتها. عودة القطاع المصرفي إلى العمل لا يجب أن تسبق المحاسبة، ولا أن تتم من دون إعادة هيكلة شاملة تترافق مع تصحيح للأخطاء، واعتراف بالضرر، ورسم خارطة طريق للإنصاف. في النظم التي تحترم القانون، تُعدّ المساءلة شرطاً جوهرياً لتصحيح المسار ومنع تكرار الانهيار. أما في لبنان، فقد تحوّلت المساءلة إلى استثناء، بل إلى ترف لا يجرؤ أحد على المطالبة به علناً
الترويج بلا إصلاح: خطر على النظام المالي. عندما تسوّق المصارف خدمات جديدة من دون أي مراجعة أو تعديل في بنيتها وسلوكها، فهي لا تسعى إلى إصلاح ما حصل، بل إلى دفنه إعلامياً. الإعلانات، مهما كانت مصقولة، لا تعوّض غياب الإصلاح. بل تُكرّس وهماً خطيراً بأن الأمور عادت إلى طبيعتها، وتُغذّي وهم الثقة في نظام هش ومليء بالثغرات.
هذا الترويج يُعمّق الشكوك ويزيد من الشرخ بين المصارف والمجتمع، ويعرّض النظام المالي إلى خطر مزدوج: فقدان الثقة الشعبية وتآكل السمعة الدولية.
أين الجهات الرقابية؟ من المفترض أن يكون مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة ولجنة الرقابة على المصارف خط الدفاع الأول، لكن الواقع يشي بعجز أو خضوع أو لا مبالاة. لم تُصدر الجهات الرقابية تقارير شفافة، لم تُطلق تحقيقات مستقلة، ولم تُخاطب الرأي العام. حتى اليوم، لا أحد من هذه الأجهزة قدّم مراجعة لأدائه خلال الكارثة، بل تتجدد الثقة بها دون أي تقييم أو محاسبة.
انهيار بلا نهاية ومصارف تتجاهل الحقائق. لبنان لا يزال مصنفاً "متعثراً ائتمانياً" من قبل وكالات مثل Moody’s وS&P، وقد انسحبت وكالة Fitch كلياً بسبب فقدان الثقة بالبيانات المالية الرسمية. ما زال لبنان على اللائحة الرمادية لـ FATF، وحديثاً أُدرج على قائمة الدول العالية المخاطر من قبل الاتحاد الأوروبي.
ورغم كل هذه المؤشرات السلبية، تتصرف بعض المصارف وكأن شيئاً لم يكن.
الثقة تُبنى بالأفعال لا بالشعارات. الثقة لا تُسترد بالشعارات، ولا تُبنى من طرف واحد. على كل مصرف أن يُبادر إلى تواصل منتج مع دائنيه، المودعين، لتأمين احتياجاتهم الأساسية مثل:
● تسديد فواتير الاستهلاك وأخصّ بذلك المتقاعدين ومن لا حول ولا قوة لهم إلا أرصدة حساباتهم.
● الطبابة (عند توفر المستندات)،
● والتعليم (عند توفر المستندات).
وحتى هذه، لا تُلبى اليوم إلا في إطار تعاميم مصرف لبنان الأساسية (158 و166)، بينما يُترك المودعون لليأس.
مساءلة المصارف تبدأ بمساءلة من يراقبها. إن الترويج لعودة "طبيعية" من دون مراجعة ومحاسبة هو استخفاف بذاكرة الناس وطعنة في العدالة الاقتصادية. الصمت الرسمي والرقابي لا يقل خطورة عن صمت المصارف نفسها. المساءلة ليست خياراً، بل واجب، وأي تجاهل لها هو استمرار في الإفلات من العقاب، وهدر ما تبقى من أمل في إصلاح هذا القطاع الحيوي.
(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )
المصدر : Transparency News








