لم تعد مقولة «إذا لم يكن عندك بودكاست فأنت غير موجود» مجرد مزحة، بل واقع فرض نفسه على الساحة الإعلامية. هذا الشكل من الإعلام الرقمي يشهد انتشاراً واسعاً، حيث تتوالى أسماء جديدة من داخل الوسط الإعلامي وخارجه لتقديم برامجها الخاصة، عبر وسائط سمعية وبصرية في آن.


وبدأت فكرة "البودكاست" عام 2001 مع الثنائي آدم كاري ودايف وينر، وانتشرت عبر أجهزة "آي بود"، قبل أن تتحوّل إلى ظاهرة رقمية شاملة. انطلقت كمحتوى صوتي، ثم تطورت لتصبح أقرب إلى الإذاعة الحديثة، قبل أن تنقلب إلى محتوى مرئي يسيطر اليوم على "يوتيوب" ومنصات التواصل الاجتماعي.

في العالم العربي، شهدت الظاهرة نمواً ملحوظاً. من أشهر الأمثلة: "فنجان" و"بلا كلام فاضي" من السعودية، "بودكاست المحور" من الإمارات، و"عقل غير عادي" من سوريا. في لبنان، دخل العديد من الإعلاميين هذا المجال مثل ريكاردو كرم، نايلة تويني، جاد غصن، محمد قيس، هبة حيدري، وميشال أبو سليمان، إضافة إلى فنّانين ومؤثرين كوسام صليبا ونور الغندور.

تتناول البودكاستات طيفاً واسعاً من المواضيع: السياسة، الاجتماع، الصحة النفسية، النجاح المهني، الرياضة، وتفاصيل الحياة اليومية.

الإعلامي زافين قيومجيان يقدم تجربته من خلال بودكاست "مية على مية" بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية، و"عدّ للعشرة" الذي يرصد قصص نجاح لبنانية. وهو يدير أيضًا ورش عمل لتدريب الشباب على صناعة البودكاست. في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، اعتبر البودكاست "أرشيفًا بصريًا وسمعيًا لا تتحكم به مواعيد البثّ"، مؤكدًا أنه "شكل إعلامي حرّ، وغير مكلف، يتطلب فقط شغفًا ومعرفة في الترويج وبناء الجمهور".

أما محمد قيس، الذي يقدّم "عندي سؤال" على منصة "المشهد"، فيعتبر أن البودكاست يقترب من الوثائقي، إذ يوثّق لحظات من حياة الضيف. ويشدد على أهمية الأصالة وعدم تقليد الآخرين، معتبرًا أن قوة البرنامج تكمن في التفاعل اللحظي مع الضيف والمحتوى العفوي. وبرأيه، رغم النمو المتزايد للبودكاست، لا يزال العالم العربي يعاني من نقص في إنتاج هذا النوع من المحتوى مقارنة بدول أخرى.

من جهتها، عادت رانيا برغوث إلى الساحة الإعلامية بعد غياب، من خلال بودكاست "نقطة عالسطر"، الذي يسلّط الضوء على تجارب النساء بعد سن الأربعين. تسعى من خلاله لتقديم مساحة حوارية صادقة ومباشرة تعبّر فيها عن قضايا وهموم المرأة الناضجة، ضمن إطار من الاحترام للمجتمع العربي المحافظ، كما تقول.

وتلفت برغوث إلى أن "البودكاست يمنح حرية لا نجدها في وسائل الإعلام التقليدية"، مشيرة إلى أنها تعتمد على البث الصوتي أساسًا، مع إمكانية عرض المحتوى مصورًا أيضًا.

اليوم، لم يعد البودكاست حكرًا على الإنترنت فقط، بل تمدد إلى شاشات التلفزيون كـ«الجديد» و«إم تي في»، ما يعكس رسوخ هذه الظاهرة في المشهد الإعلامي العربي.

البودكاست تحول إلى مساحة حرة تجمع بين البساطة، العمق، والحرية، ويبدو أنه باقٍ في صدارة الإعلام الرقمي لفترة طويلة، طالما أنه يواكب إيقاع الجمهور ويمنحه صوتًا وصدى.

 


المصدر : وكالات