نادين التقي


أثارت تصريحات رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، خلال لقاء في كليمنصو الأسبوع الماضي، موجة واسعة من الاستنكار في الأوساط السياسية والشعبية، بعد قوله إن "أراضي شبعا سورية احتلتها إسرائيل وليست لبنانية".
اعتُبرت هذه التصريحات مسيئة للسيادة الوطنية اللبنانية، ومستفزة لمشاعر الأهالي في منطقة العرقوب، ولعائلات الشهداء الذين قدّموا دماءهم دفاعًا عن هذه الأرض، ما دفع العديد من الفعاليات المحلية والسياسية إلى إصدار بيانات ترفض هذا الموقف وتطالب بتوضيحات رسمية.

ردود محلية غاضبة وبيان من هيئة العرقوب وبلدية شبعا
في أولى ردود الفعل، أصدرت هيئة العرقوب وبلدية شبعا بيانًا مشتركًا وصفت فيه تصريحات جنبلاط بأنها "تسيء للسيادة الوطنية وتهمش تضحيات الشهداء الذين لم يتوانوا يومًا عن الدفاع عن أرضهم بوجه الاحتلال".
وأكد البيان وجود "وثائق رسمية مثبتة صادرة عن الدولة اللبنانية تؤكد لبنانية مزارع شبعا"، مشيرًا إلى أن هذه الأراضي كانت ولا تزال محل إجماع لبناني رسمي وشعبي على هويتها.
وتساءلت الفعاليات المحلية: "لماذا يطلق جنبلاط مثل هذا الموقف في هذا التوقيت الحرج الذي يمر به لبنان والمنطقة؟"، معتبرة أن مثل هذه التصريحات "تفتح الباب أمام محاولات التشكيك بالحقوق الوطنية وتضعف الموقف اللبناني في أي مفاوضات مقبلة".

خلفية الموقف التاريخي والقانوني
تاريخيًا، تعتبر مزارع شبعا قضية إشكالية في النزاع العربي–الإسرائيلي. فهي منطقة صغيرة زراعية تقع عند المثلث الحدودي بين لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة. في يونيو/حزيران 1967، احتلت إسرائيل هضبة الجولان السوري ومن ضمنها مزارع شبعا.
ورغم الاحتلال، تؤكد الدولة اللبنانية رسميًا أن مزارع شبعا جزء لا يتجزأ من الأراضي اللبنانية، وقد تمسكت منذ مطلع الألفية بإثبات هذه الملكية بالأدلة العقارية والوثائق الرسمية.
لكن الأمم المتحدة، في مراحل سابقة من التفاوض، طالبت بتسوية حدودية واضحة بين لبنان وسوريا لإقرار هذا الحق بشكل نهائي، في وقت ظلت دمشق تعلن دعمها لمطلب لبنان باستعادة شبعا لكنها لم تجرِ ترسيمًا رسميًا يقطع النزاع تمامًا.


مروان حمادة: ليس موقفًا جديدًا!
في سياق الجدل، أجرى موقع Transparency News اتصالًا خاصًا مع النائب مروان حمادة، المقرّب من جنبلاط، للرد على الانتقادات والاتهامات.
قال حمادة إن "ما طرحه جنبلاط ليس جديدًا ولا مستفزًا لأي طرف، بل هو توصيف تاريخي وواقعي". وأضاف أن "المفاوضات مع الأمم المتحدة حول مزارع شبعا كانت دائمًا تتعثر بسبب عدم اعتراف سوريا رسميًا بلبنانية هذه الأراضي، وهو واقع وثّقته محاضر التفاوض الدولية".
وأوضح حمادة أن "مزارع شبعا مشمولة بالقرار 242 الصادر بعد حرب حزيران 1967، وكانت حينها تضم مخفرًا للهجانة السورية. وقتها بقي لبنان على الحياد التام ولم يشارك في الحرب، ولم يخسر رسميًا أي شبر من أراضيه، وهو ما أكده وزير الخارجية اللبناني آنذاك فيليب تقلا ببيان رسمي".

دعوة إلى ترسيم الحدود وإنهاء الالتباس
شدد حمادة في حديثه على أن كلام جنبلاط "ليس تبنيًا للرواية الإسرائيلية أو تبريرًا للاحتلال، بل دعوة صريحة إلى ضرورة ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا بشكل رسمي، بما يشمل مزارع شبعا، لوضع حدّ لأي جدل أو استغلال".
وأوضح أن هذه الدعوة تأتي "في إطار المبادرة الأميركية القائمة على ثلاثة عناوين: حصرية السلاح بيد الدولة، وترسيم الحدود، وتنفيذ الإصلاحات الداخلية".
وأكد حمادة: "نحن لا نستبعد التوصل إلى اتفاق لبناني–سوري رسمي يعترف بلبنانية مزارع شبعا. الروحية السائدة في دمشق اليوم، والتي التمسها جنبلاط من خلال تواصله مع القيادة السورية والرئيس أحمد الشرع، يمكن أن تسمح بالتفاهم على هذا الملف بما يخدم مصلحة لبنان العليا".

الأمن القومي والحدود ومعابر التهريب
وتناول حمادة أيضًا الجانب الأمني المرتبط بالحدود الشرقية والشمالية، مشيرًا إلى أن "لبنان دفع ثمنًا باهظًا من اضطرابات وحروب، ويكفينا ذلك. الأهم اليوم أن مزارع شبعا هي أرض عربية محتلة من إسرائيل، وهذه هي الحقيقة الجوهرية التي يجب أن يتوحد اللبنانيون حولها".
عن الوضع في سوريا، اعتبر حمادة أن "المسار طويل الأمد ولا يمكن إصلاحه في 24 ساعة، لكنه يحتاج إلى جهود عربية ودولية متضافرة، وسيشهد تحسنًا تدريجيًا مع عودة النازحين إلى ديارهم".
وشدد على ضرورة "الإسراع في ترسيم الحدود اللبنانية–السورية، ليس فقط لحسم ملف مزارع شبعا، بل أيضًا لإغلاق المعابر غير الشرعية التي تُستخدم لتهريب السلاح والكبتاغون، ما ينعكس سلبًا على العلاقات اللبنانية مع دول الخليج والدول العربية".


وختم حمادة حديثه التأكيد على أن "الأمل معقود على إزالة العقبات أمام الترسيم الرسمي، كي ينعم لبنان بحدود واضحة ومعترف بها دوليًا، بعيدًا عن النزاعات والتجاذبات، ويعود إليه الاستقرار والأمن الذي يحتاجه أكثر من أي وقت مضى".

(هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع "Transparency News" )


المصدر : Transparency News