في تطورات متسارعة تعكس تغيّراً لافتاً في المشهد الأمني داخل سوريا، أعلنت وزارة الداخلية عن تنفيذ سلسلة عمليات أمنية وصفت بـ"النوعية"، أسفرت عن توقيف شخصيات أمنية بارزة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال سنوات الصراع. بالتزامن، عادت قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان إلى نشاطها الميداني، وسط تقارير عن محادثات أمنية مباشرة بين دمشق وتل أبيب بعد تغيير السلطة في سوريا.


نفّذت قيادة الأمن الداخلي في محافظة طرطوس عملية أمنية وصفتها بـ«النوعية والدقيقة»، أفضت إلى توقيف العقيد الركن ثائر حسين، أحد معاوني مدير سجن صيدنايا الشهير بسمعته السيئة، والمعروف بين السوريين باسم «المسلخ»، نظراً لحجم الانتهاكات المروعة التي شهدها بحق معتقلين سياسيين.
وجاء توقيف حسين خلال اختبائه في منطقة نائية بريف طرطوس، وقد تمّت إحالته إلى القضاء المختص لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقه، وفقاً لما أعلنته وزارة الداخلية السورية مساء الثلاثاء.

بالتزامن، احتفلت وزارة الدفاع، حسبما أوردت وكالة «سانا» الرسمية، بتخريج الدفعة الأولى من عناصر الفرقة 76 في محافظة حلب، والبالغ عددهم 3 آلاف جندي، وذلك في سياق تعزيز قدرات الجيش الجديد وترسيخ هيبة الدولة على امتداد الجغرافيا السورية.

وفي محافظة إدلب شمال غربي البلاد، أعلنت الداخلية السورية تنفيذ عملية أمنية أخرى أدت إلى توقيف العقيد زياد كوكش، المتهم بارتكاب جرائم حرب وملاحقة المتظاهرين منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011. وتدرّج كوكش لاحقاً في مواقع أمنية وعسكرية، من بينها قيادة حواجز في محيط محافظة حماة، قبل أن يُحال إلى التقاعد في 2016، وينضم لاحقاً إلى الفرقة 25 التابعة للواء سهيل الحسن، أحد أبرز قادة النظام السابق والمطلوب للعدالة.

وفي تطور موازٍ، أُلقي القبض على ماهر درويش، أحد العاملين السابقين في "الجناح الأحمر" بسجن صيدنايا، بحسب ما أفاد به "تلفزيون سوريا". ويُتهم درويش بتنفيذ عشرات عمليات التعذيب، علماً أن الجناح الأحمر، أو ما يُعرف بـ"جناح الموت"، شهد تصفية آلاف المعتقلين على مدى سنوات، وفق تقارير منظمات حقوقية.

وأعلنت الوزارة أيضاً توقيف أحد منفذي مجزرة حي كرم الزيتون في مدينة حمص خلال عملية محكمة، قبيل محاولته الفرار خارج البلاد. ونشرت الداخلية شريط فيديو يتضمّن اعترافات الموقوف عن تفاصيل المجزرة التي وقعت بين أواخر يناير (كانون الثاني) ومطلع فبراير 2012، وأسفرت عن مقتل أكثر من 43 شخصاً، بينهم أطفال ونساء، بحسب "الشبكة السورية لحقوق الإنسان".

وفي سياق ميداني آخر، ومع استمرار التوغلات الإسرائيلية في ريفي محافظتي القنيطرة ودرعا، سجّلت عودة قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أوندوف) إلى التحرك الميداني في المناطق القريبة من الجولان المحتل.

وذكر موقع "درعا 24" أن رتلًا تابعاً لأوندوف نفّذ جولة في مدينة نوى بريف درعا الغربي، ثم غادر باتجاه بلدة الشيخ سعد. كما أجرت القوة الأممية جولة تفقدية في قرية الحميدية بريف القنيطرة الشمالي، برفقة رئيس البلدية، لتفقّد منازل دُمّرت على يد القوات الإسرائيلية في 17 يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم عدم صدور أي إعلان رسمي بشأن هدف الجولات، فإنها تأتي بعد زيارة لوكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيار لاكروا، إلى سوريا، حيث التقى عدداً من المسؤولين.
وأكد لاكروا خلال الزيارة استمرار "أوندوف" في لعب دور حيوي بالتنسيق بين السلطات السورية والإسرائيلية، مشدداً على أن الوجود الإسرائيلي في "المنطقة العازلة" بالجولان يمثل خرقاً لاتفاق 1974، والذي يمنح حق التواجد العسكري في تلك المنطقة لـ"أوندوف" فقط.

وأشار لاكروا إلى أن التقدم السياسي في سوريا ساعد على استئناف عمليات "أوندوف" وتوسيع مهامها، موضحاً أن الهدف الأساسي للقوة هو ضمان التنفيذ الكامل لاتفاق فك الاشتباك لعام 1974.

من جهة أخرى، اعتمد مجلس الأمن الدولي، يوم الاثنين، قراراً بالإجماع يقضي بتمديد ولاية "أوندوف" لمدة ستة أشهر.
وفي تطور لافت، نقلت وكالة الأنباء الألمانية عن مصادر قريبة من القيادة السورية الحالية أن دمشق وتل أبيب تجريان محادثات مباشرة تتركز على ترتيبات أمنية محدودة، تشمل انسحاباً محتملاً للقوات الإسرائيلية من الجنوب السوري، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024.
وأفادت المصادر بأن الرئيس السوري الجديد لا يزال غير مستعد لتوقيع اتفاق سلام شامل مع إسرائيل في الوقت الحالي.


المصدر : الشرق الأوسط