خاص - نادين التقي


يتواصل الجدل في لبنان حول ملف سحب السلاح من المخيمات الفلسطينية، وسط حذر رسمي بالغ وتعقيدات أمنية وسياسية متراكمة، تضع الدولة اللبنانية أمام امتحان صعب في سعيها لتكريس سيادتها وحصر السلاح بيدها.

هذا الملف الذي ظل معلقًا منذ اتفاقات سابقة، عاد إلى الواجهة مع الإعلان عن خطة لسحب السلاح تدريجيًا من المخيمات، بدءًا من العاصمة بيروت وصولًا إلى البقاع والجنوب. لكن على عكس المتوقع، تأجلت العملية التي كان من المفترض أن تنطلق منتصف حزيران، ما فتح باب الانتقادات والاتهامات بالمماطلة، في وقت تعتبره الدولة اللبنانية قرارًا سياديًا معقدًا لا يحتمل التسرع.

أسلحة خفيفة ومتوسطة... وثقيلة في عين الحلوة والرشيدية
وبحسب مصادر أمنية مطلعة تحدثت لموقع Transparency News، فإن المخيمات الفلسطينية كافة في لبنان تمتلك أسلحة خفيفة ومتوسطة، بينما يتركز السلاح الثقيل بشكل رئيسي في مخيمي عين الحلوة في صيدا والرشيدية في صور.

وأكدت المصادر أن الدولة تتعامل مع هذا الملف "بحذر شديد"، نظرًا لتعقيداته القديمة – الجديدة، والتشابكات الإقليمية التي تؤثر فيه. وأضافت أن "التأجيل الحالي لا يعني التخلي عن القرار، بل فرضته التطورات الإقليمية الراهنة".

يوسف سرحان: لا مماطلة بل تنسيق وحوار

في حديث خاص لـ Transparency News، أوضح نائب أمين سر الإقليم ومسؤول اللجان الشعبية في لبنان الدكتور سرحان يوسف، أن الفصائل الفلسطينية "ملتزمة بشكل جدي بقرار الدولة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وضبط السلاح المتفلت عبر الحوار والتنسيق مع الجهات الأمنية اللبنانية المختصة".

وشدد يوسف على "صوابية الالتزام الفلسطيني بحقوق وواجبات اللاجئين تجاه الدولة"، مؤكداً رفض تحويل المخيمات إلى منصات لإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل. وقال:"ما يجري ليس مماطلة كما يُتهم أحيانًا، بل إن الحرب الإيرانية – الإسرائيلية والتوترات في الإقليم أخرت وصول الوفد الفلسطيني إلى لبنان، وهو ما تسبب في تأجيل إطلاق خطة سحب السلاح".

ينفي دور حزب الله في عرقلة تسليم السلاح
وعن الاتهامات الموجهة لحزب الله بالضغط على بعض الفصائل الفلسطينية لمنع تسليم السلاح، نفى يوسف ذلك بشكل قاطع. وأكد أن "هيئة العمل الوطني الفلسطيني المشترك متناغمة في موقفها بشأن أهمية تسليم السلاح، حفاظًا على الاستقرارين الفلسطيني واللبناني".

أمين بشير: بدعة السلاح الفلسطيني غطاء لحرف الأنظار عن سلاح حزب الله

في المقابل، ظهرت أصوات ناقدة ترى في التأجيل "مسرحية هزيلة" لا تحترم وعي اللبنانيين. وفي حديث خاص لـ Transparency News، اعتبر المحامي والحقوقي أمين بشير أن "بدعة السلاح الفلسطيني – مع الاعتراف بأهمية القضية الفلسطينية – ليست إلا غطاء لحرف الأنظار عن السلاح غير الشرعي الأهم، أي سلاح حزب الله". وقال بشير:"المشكلة لا تقتصر على كمية ونوعية السلاح المنتشر في المخيمات، بل في الإمرة الإيرانية التي تتحكم بهذا السلاح داخل لبنان. حزب الله نفسه بات مثقلًا بهذا العبء، خاصة بعد تراجع الدور الإيراني المباشر في الساحة اللبنانية، وضعف قدرته على التفاوض".

واتهم الدولة اللبنانية باتباع "سياسة النعامة" في التعامل مع مسألة السلاح غير الشرعي، خاصة في الجنوب، مضيفًا: "الدولة تمارس مواقف باهتة، وتنتظر التحولات والقرارات الخارجية بدلًا من الإمساك بسيادتها الوطنية. هذا التراخي لا يخدع المجتمع الدولي الذي يراقب أداء لبنان بقلق".

"سيادة مجزأة"... وانتظار الحلول الخارجية

وحذر بشير من أن جوهر الأزمة يكمن في "غياب وضوح موقف الدولة اللبنانية تجاه سيادتها المجزأة، التي أصبحت رهينة التفاهمات والاتفاقات الدولية". وختم بشير حديثه بالقول: "إلى متى سنظل ننتظر الحلول الخارجية لإنقاذ ما تبقى من سيادة بلدنا؟ ألم يحن الوقت لتحمل الدولة مسؤوليتها أمام اللبنانيين والتاريخ؟".

بين التعقيد الأمني والحسابات السياسية

بين التزامات الفصائل الفلسطينية الرسمية بالحوار والتنسيق، وتصاعد الانتقادات الداخلية، يبدو أن ملف سحب السلاح من المخيمات لا يزال يراوح مكانه وسط حسابات أمنية دقيقة، وتوترات إقليمية تلقي بثقلها على الداخل اللبناني.

وفيما تبقى الدولة اللبنانية تحت ضغوط الوقت والأزمات، يبقى سؤال السيادة وحصرية السلاح في يد الدولة مطروحًا بإلحاح، في انتظار أن تتحول التعهدات والاتفاقات إلى خطوات عملية واضحة على الأرض.


المصدر : Transparency News