في خطوة دبلوماسية لافتة بعد قطيعة استمرت نحو ثلاث سنوات، أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فتح قنوات التواصل مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين عبر مكالمة هاتفية مطولة، في محاولة لإحياء الجهود الدولية بشأن الملفين النووي الإيراني والأزمة الأوكرانية، وسط تصاعد التوترات الإقليمية والدولية.


في خطوة لافتة تعكس مساعي باريس لإحياء الدبلوماسية الدولية، عاود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التواصل مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بعد انقطاع دام زهاء ثلاث سنوات، على خلفية الحرب في أوكرانيا. المكالمة التي جرت مساء الثلاثاء استمرت لأكثر من ساعتين، وتناولت ملفين رئيسيين: البرنامج النووي الإيراني والحرب الأوكرانية، وفق ما أعلن قصر الإليزيه.

ولم يكن الاتصال مفاجئاً، إذ سبق لماكرون أن أعلن في 26 يونيو (حزيران) عزمه على التواصل مع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، سعياً إلى صياغة «مقاربة مشتركة» حول الملف النووي الإيراني، انطلاقاً من مسؤولية هذه الدول بصفتها ضامنة لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

وأوضح الإليزيه أن ماكرون أجرى مشاورات مسبقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إضافة إلى المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، قبل الاتصال ببوتين، على أن يختتم جولته بالتواصل مع الرئيس الصيني شي جينبينغ.

في موازاة ذلك، يواصل ماكرون اتصالاته مع شركاء أوروبيين ضمن إطار «الترويكا» (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا)، وكذلك مع دول خارجها، مؤكداً في بيانه «مسؤوليات الدول الدائمة، ولا سيما فرنسا وروسيا، في الملف النووي»، وشدد على «ضرورة التزام إيران بمعاهدة حظر الانتشار، والتعاون الكامل مع الوكالة الذرية، بما يسمح بعودة المفتشين الدوليين إلى مواقعهم من دون تأخير».

كما عبّر الرئيس الفرنسي عن تصميمه على التوصل إلى «حل دبلوماسي دائم وحازم» بشأن النووي الإيراني، يشمل برنامج الصواريخ ودور طهران الإقليمي، مؤكداً مع بوتين على «تنسيق الجهود والتواصل مجدداً قريباً» لمتابعة هذا المسار، وفق ما نقلته قناة «روسيا اليوم».

دور الوسيط بين المعسكرين

خطوة ماكرون تأتي ضمن جهود فرنسية لتعزيز دورها كحلقة وصل بين المعسكرين الغربي والشرقي، خاصة في ظل «فراغ دبلوماسي» بعد تعثر المحادثات الأميركية-الإيرانية، وجمود اجتماعات مجلس الأمن. وتزامنت مبادرته مع تحذيرات من قرب انتهاء صلاحية القرار 2231، الذي تبنى الاتفاق النووي المبرم عام 2015، في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، ما يثير مخاوف من إعادة فرض العقوبات الدولية عبر آلية «سناب باك».

وتبرز أهمية التواصل مع بوتين من علاقاته الوثيقة بالسلطات الإيرانية، ما يمنح موسكو قدرة على التأثير على طهران ودفعها نحو المرونة. وبينما تكتفي روسيا حتى الآن بالتنديد بالهجمات الإسرائيلية والأميركية على المنشآت النووية الإيرانية، إلا أنها تؤكد دعمها لحلول «سياسية ودبلوماسية».

كما يرجح أن توافق موسكو على استعادة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وهو أبرز نقاط الخلاف بين طهران وواشنطن. وتصر إيران على حقها في التخصيب مع استعدادها لتحديد نسبته، بينما ترفض الولايات المتحدة أي مستوى من التخصيب. وقد تبنت باريس مؤخراً موقفاً متشدداً أقرب إلى الرواية الأميركية في هذا الشأن، رغم تمسكها بحق إيران في «برنامج نووي مدني»، كما أوردت «روسيا اليوم».

أولوية لعودة المفتشين الدوليين

تركز باريس على أمرين أساسيين: منع انسحاب إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي، وضمان عودة المفتشين الدوليين لممارسة مهامهم بشكل كامل. وخلال حديثه مع ماكرون قبل يومين، أشار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى «مشكلة» مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فيما أعلن التلفزيون الإيراني الأربعاء تعليق التعاون مع الوكالة بعد تصويت البرلمان وموافقة مجلس صيانة الدستور.

وتواجه الوكالة اتهامات من طهران بـ«سوء التعامل»، حيث حمّل وزير الخارجية عباس عراقجي الوكالة ومديرها رافائيل غروسي «المسؤولية الكاملة» عن الوضع الراهن. وفي هذا السياق، ترى باريس أن التهديد الأكبر يتمثل في احتمال تطوير إيران برنامجاً نووياً عسكرياً سرياً، وهو ما تعتبره قابلاً للتحقق تقنياً، مما يستدعي «منح المفتشين صلاحيات أوسع».

وخلال المكالمة، أكد بوتين على ثلاثة مبادئ أساسية: الالتزام بمعاهدة حظر الانتشار، إعادة بناء الثقة بين طهران والوكالة الذرية، والانفتاح على الحوار مع جميع الأطراف، وهو الموقف ذاته الذي طرحه في اتصالاته السابقة مع الرئيس ترمب.

ضغوط زمنية وتصاعد المخاوف

تسعى باريس إلى التوصل لحل دبلوماسي قبل تصاعد احتمالات الحرب، وسط مخاوف من تشدد تل أبيب وواشنطن. ومع ذلك، يبقى التساؤل مطروحاً: هل ستنجح الدبلوماسية الفرنسية في إحداث اختراق؟ حتى اللحظة، تبدو الإجابة سلبية، غير أن ماكرون، الساعي لحماية مصالح فرنسا وأوروبا، يعول على مسؤولية الدول الكبرى لتحقيق تفاهمات أوسع، حتى مع موسكو التي وصفها مراراً بأنها «التهديد الأكبر للقارة الأوروبية».



المصدر : وكالات